الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

'أولاد حارتنا' .. رواية نجيب محفوظ المؤدية رأسا إلى المنع ومحاولة الاغتيال

  • كتب عربية عديدة مثلت لوحدها منعرجا فكريا وأدبيا، إما لمحتواها وجِدتها أو لآثار أحدثتها لدى المتلقي أو لأنها خلخلت السواكن وحركت مياها راكدة. رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ من الصنف الذي وفر كل الأسباب السابقة المشار إليها. مضمون استدعى تفاصيل الحارة المصرية في أزمان مختلفة مع استحضار خفي وماكر للمدونة الدينية، ووقع كبير لدى المتلقي بدأ من النشر المتسلسل للرواية في صحيفة الأهرام، فضلا عن رواج كبير عندما صدرت الرواية المصرية كاملة من بيروت، ثم لما لاقاه الكاتب من تكفير وتأثيم واتهام بالإلحاد والزندقة من أصوليين لم يقرأ أغلبهم الرواية، وإنما فعلوا ما فعله الشيخ التونسي الزيتوني محمد الصالح بن مراد حين كتب ردا على كتاب الطاهر الحداد (امرأتنا في الشريعة والمجتمع) “هذه دفعة أولى على الحساب قبل أن أقرأ الكتاب”.

العرب سعد القرش [نُشر في 2017/11/11، العدد: 10809، ص(17)]

الكتاب شاهد على جو المجتمع المصري في تلك المرحلة وعلى سطوة الأصولية الدينية في آن

رواية أولاد حارتنا لا تؤرخُ فقط للفترة التي تناولتها بالبحث والسرد والحكي، بل تؤرخ أيضا لزمن مصاردتها، وتؤرخ لما تعرض له الكاتب من إبعاد ومحاولة اغتيال جراء الرواية وغيرها من المواقف الأدبية والسياسية.

رواية أولاد حارتنا، متن يكتظ بالمآثر والإدانات، ودروسه المستقاة لا تقتصر على صفحات الرواية بل تتعداها إلى ما تعرضت له الرواية وصاحبها من جور لا يليق بكاتب.

حتى يوم إعلان فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل (13 أكتوبر 1988)، لم أكن أعلم أن له رواية عنوانها “أولاد حارتنا”؛ فناشره يسقط الرواية من قائمة مؤلفاته ربما بحجة أنها غير منشورة في مصر، ولولا جائزة نوبل لظلت الرواية عملا سريا يتداول نسخه القليلة المهتمون بالكتب المصادرة، ثم نهضت من الرماد لكي تشهد على تحولات ثورة 25 يناير 2011، من الحلم بالعدل والحرية، إلى الوعد بتصحيح المسار، بعد التعثر في أكثر من منحنى، وتمكن أعداء الثورة من الاحتيال عليها، وتحصينها مؤقتا بمضادات لموجة ثورية جديدة.

قبيل جائزة نوبل عاش محفوظ في منطقة الظل. جلب له موقفه من معاهدة السلام مع العدو الصهيوني إزعاجا ومتاعب، وأغلقت أبواب عربية لتوزيع أفلام مأخوذة من أعماله، وهو متسق مع نفسه لا يبغي من آرائه “السّلَامية” مكسبا من أي سلطة.

لم يتوقع نجيب محفوظ أن تصيبه رواية “أولاد حارتنا” بما يشبه اللعنة، فهي الوحيدة التي منع نشرها في كتاب داخل مصر، ثم كادت تنهي حياته بطعنة سكين في رقبته يوم 14 أكتوبر 1994 بيد شاب متطرف لم يقرأها.

وبعد أقل من شهرين على الجريمة التي منعته أن يمسك بالقلم، لم تعرف الرحمة سبيلا إلى قلب محام متنطع رفع أمام محكمة جنايات المنصورة دعوى يتهم فيها الشيخ الناجي من الموت بالافتئات على الله، وإطلاق عليه اسم “الجبلاوي”، استنادا إلى تصريح أشبه بدعابة نشرته صحيفة “الأخبار” في 7 ديسمبر 1994، إذ قال محفوظ لممرضة في المستشفى “يظهر أن الجبلاوي راض عني”.

الغريب أن المحامي المأفون طلب تعويضا عن تضرره النفسي من خدش لإيمانه، ولكن المحكمة استهلكت خمس جلسات حتى قضت في 26 ديسمبر 1995 برفض الدعوى، ولم ينص الحكم على توصية بإحالة الشاكي إلى مصحة نفسية.

رواية بعد صمت طويل

ما لم يقله محفوظ أن “أولاد حارتنا” أنقذته من صمت اختياري لجأ إليه بعد ثورة 23 يوليو 1952. صمت محفوظ احتراما لقيمة الصمت وتقديرا لقدسية الإبداع، حين أدرك أن الأوضاع القديمة التي كان يريد تغييرها بالكتابة قد تغيرت بالفعل، أما آليات التغيير وآثاره فيحتاج إلى وقت أطول للاستيعاب.

كان قد انتهى من عمله الكبير، ثلاثية “بين القصرين” و”قصر الشوق” و”السكرية”، ثم أدركته الثورة. وبعد ستة أسابيع على قيام الثورة أصدرت في 9 سبتمبر 1952 قانون الإصلاح الزراعي، فنجا الفلاح من ميراث الاستعباد وصار مالكا لا أجيرا، وشعر محفوظ أن ما كان يدعو إليه من تحقيق العدالة الاجتماعية وتقريب الفوارق بين الطبقات والحق في التعليم قد نفذته الثورة، فتوقف عن الكتابة سبع سنوات كتب فيها سيناريوهات لأفلام سينمائية أخرجها صلاح أبوسيف “ريا وسكينة” و”الوحش” و”الفتوة” و”الطريق المسدود” عن رواية لإحسان عبدالقدوس، وشارك في كتابة السيناريو والحوار لفيلم “جميلة” ليوسف شاهين.

أولاد حارتنا: تواريخ ومنعرجات
◄ انتهى نجيب محفوظ من كتابة الرواية

◄في شهر إبريل سنة 1958.

◄ عدد صفحاتها 553 صفحة.

◄ نشرت متسلسلة في صحيفة الأهرام المصرية طيلة أسبوع كامل ابتداء من عدد 21 سبتمبر 1959 حتى عدد 25 ديسمبر من العام نفسه.

◄ صدرت الرواية في لبنان عن دار الآداب عام 1962 ومنع دخولها إلى مصر.

◄ في عام 1988 حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل للآداب.

◄ في 14 أكتوبر 1994 تعرض نجيب محفوظ إلى محاولة اغتيال بعد أن قال عنه الشيخ عمر عبدالرحمن "أما من ناحية الحكم الإسلامي فسلمان رشدي الكاتب الهندي صاحب آيات شيطانية ومثله نجيب محفوظ مؤلف أولاد حارتنا مرتدان وكل مرتد وكل من يتكلم عن الإسلام بسوء فلا بد أن يقتل ولو كنا قتلنا نجيب محفوظ ما كان قد ظهر سلمان رشدي".

◄ توفي نجيب محفوظ يوم 29 أغسطس 2006.

◄ صدرت رواية أولاد حارتنا في مصر في طبعة لدار الشروق في عام 2006.

ولكن الكتابة للسينما لم تشغله عن مراقبة مسافة تتسع، بين شعارات الثورة المعلنة وتطبيقاتها، ولا يُرضي دارسا للفلسفة تشبع بأفكار ليبرالية أن تحل الأحزاب السياسية (1953)، وينتهي النزاع في أزمة مارس 1954 بغلبة جناح يرفض عودة الجيش إلى الثكنات؛ فهذا المطلب في رأي الجناح المنتصر يعني محاكمة ضباط الثورة باعتبارها عملا مضادا للمسار الدستوري، وفي هذا السلوك إهداء الثمرة إلى أحزاب أدت سياساتها وصراعاتها إلى انسداد آفاق جعلت الثورة ضرورة.

ثم تابع محفوظ صعود جمال عبدالناصر، من ثائر إلى رئيس فزعيم ذي كاريزما تتجاوز حدود بلاده، ملهما لحراك ثوري عربي وإفريقي، وحاكما لبلد سيصير اسمه الإقليم الشمالي عند إعلان الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958.

على وقع الثورة

اختتمت سنوات الصمت السبع باعتقال رموز الحركة الشيوعية في اليوم الأول من عام 1959. ربما أسهمت هذه الواقعة وغيرها في استفزاز نجيب محفوظ لكتابة رواية ملحمية تناقش القضايا الإنسانية الكبرى، بادئا بطرح أسئلة واجهت التجمع البشري الأول، وحوار العقل مع الفطرة، والخبرة مع البراءة، ثم صراع الحق مع القوة، الحرية مع الاستبداد، والنور مع الجهالات، والعلم مع الخرافة.

هذا التعقيد في الأفكار والتشابك في العلاقات احتاج إلى حلول فنية مغايرة للصيغة الواقعية السابقة، ومع “أولاد حارتنا” بدأت مرحلة جديدة من مسيرة محفوظ الروائية، فارق فيها ماضيه، مستفيدا من دراسته للفلسفة والتصوف، باحثا في أعماق البشر عن الله، وسبل الاهتداء إليه، وهو موضوع مقال “فكرة الله في الفلسفة” نشره محفوظ عام 1936، عن تطور فكرة الألوهية، عبر صعود الوعي البشري من المجتمعات البدائية إلى الفلاسفة المحدثين.

قبل “أولاد حارتنا” كانت أعماله تصدر في بضعة آلاف نسخة، ولكن نشر أول عمل له في صحيفة الأهرام أوصله بيسر إلى قارئ عام لا يعرف محفوظ؛ فلم تكن السينما أنتجت أيا من رواياته. يمكن باختصار اعتبار النشر الصحفي اليومي لرواية “أولاد حارتنا” ولادة جديدة جماهيرية لمحفوظ، وقد حظي بدلال غير مسبوق على مدى أسبوع سبق نشر الرواية.

ففي يوم الاثنين 14 سبتمبر 1959 نشرت صحيفة الأهرام في الصفحة الأولى خبرا عنوانه “الأهرام ينشر قصة نجيب محفوظ الجديدة” مصحوبا بصورته “اتفق الأهرام مع نجيب محفوظ كاتب القصة الكبير، على أن ينشر له تباعا قصته الجديدة الطويلة.

إن نجيب محفوظ هو الكاتب الذي استطاع أن يصور الحياة المصرية تصوير فنان مقتدر مبدع، لذلك فإن قصصه كانت حدثا أدبيا بارزا في تاريخ النهضة الفكرية في السنوات الأخيرة. ولقد وقع الأهرام مع نجيب محفوظ عقدا يصبح للأهرام بمقتضاه حق النشر الصحفي لقصته الجديدة مقابل ألف جنيه. و”الأهرام” لا يذكر الرقم- وهو أكبر مبلغ يدفع في الصحافة العربية لقصة واحدة- تفاخرا أو ادعاء، وإنما يذكره ليسجل بدء عهد جديد في تقدير الإنتاج الأدبي”.

وفي يوم الجمعة 18 سبتمبر جاء في الصفحة الأولى هذا العنوان “الأهرام يبدأ في نشر قصة نجيب محفوظ يوم الاثنين” مع صورة للكاتب، وإشارة إلى حوار معه في الصفحة الخامسة. وحفل الحوار الذي أجرته إنجي رشدي بعناوين منها “درست كل الفنون وتعلمت العزف على القانون”، “أنا لا أنتظر الوحي والمزاج بل أصنعهما”. ونشرت بقية الحوار في الصفحة الثامنة.

وفي يوم الأحد 20 سبتمبر نشر في الصفحة الأولى خبر عنوانه “قصة نجيب محفوظ ستبدأ في الأهرام غدا” مصحوبا بصورتين لمحفوظ وللتشكيلي المصري الحسين فوزي الذي رسم شخوص الرواية.

وبدأ نشر الرواية يوم الاثنين 21 سبتمبر، مع صورة للمؤلف وإشارة في الصفحة الأولى عنوانها “قصة نجيب محفوظ أولاد حارتنا يبدأ نشرها اليوم على الصفحة 8”. ونشرت الحلقة الأولى في النصف الأعلى للصفحة الثامنة منقوصا منه باب “غرائب الطبيعة وصدق أو لا تصدق”، وانتهت بإشارة “البقية غدا”، واستمرت هذه الإشارة في نهاية الحلقات اليومية، إلى أن استبدل بها في الحلقة الأخيرة يوم 25 ديسمبر 1959 جملة “انتهت القصة”.

فارق محفوظ عصره، ورجع إلى فجر الضمير الإنساني، عبر مفاهيم رمزية وشخوص وأفكار تلخص المصائر، وتتماس بحساسية مع الديني والسياسي. وفارق ماضيه الروائي ببناء صرحي، نعبر إليه من خلال تمهيد حمل عنوان “افتتاحية” هي متن رمزي وقناع يقدم فيه الرواي نفسه كشاهد على المرحلة الأخيرة من حياة الحارة. راو يتمتع بالقدرة على الحكي وجمع ما يرويه أبناء الحارة عن أسلافهم، بداية بالجد الكبير “الجبلاوي”، المؤسس اللغز المعتزل في بيته محجوبا، ونسله المنذورين للأمجاد والصراعات: “أدهم” و”جبل” و”رفاعة” و”قاسم” و”عرفة ابن حارتنا البار” كما يصفه الراوي الذي كان أول من اتخذ الكتابة حرفة.

لم يتوقع محفوظ أن تصيبه رواية {أولاد حارتنا} بما يشبه اللعنة، فهي الوحيدة التي منع نشرها في كتاب داخل مصر، ثم كادت تنهي حياته بطعنة سكين يوم 14 أكتوبر 1994 بيد شاب متطرف لم يقرأها

لم يتعب بعض رموز اليمين الديني في الربط بين أولاد حارتنا وما تحمله ملامحهم وصفاتهم وسيرهم من شذرات تتشابه مع ما أورده العهد القديم. اعترض الأزهر على الرواية، وتعالت الدعوات إلى وقف نشرها، لولا إصرار رئيس تحرير الأهرام محمد حسنين هيكل على استمرار النشر.

ولم تصدر الرواية في كتاب داخل مصر، وتوالى وصول نسخها من بيروت، وقد استعرتها من كاتب مصري؛ ففي سنوات الجامعة لا قدرة لي على شراء نسخة من “فاكهة محرمة”، وارتكبت حماقة إعادة تلك النسخة، تطبيقا للمثل القائل “أحمقان.. معير كتاب ومعيده”. ثم احتفظت بنسخة من صحيفة الأهالي التي يصدرها حزب التجمع اليساري (30 أكتوبر 1994)، وخصصت كاملة لنشر الرواية، ونفد العدد بالكامل، حيث حملت الصفحة الأولى عناوين “لأول مرة في مصر.. النص الكامل لرائعة نجيب محفوظ أولاد حارتنا بعد 35 عاما من غيابها عن الشعب المصري”. وفي نوفمبر 2000 اشتريت من شارع المتنبي ببغداد النسخة البيروتية.

هوج التكفير

في 23 نوفمبر 1994 كتب سليمان فياض في صحيفة الأهالي مقالا عنوانه “خفايا تكفير نجيب محفوظ على يدي شيخين من الإخوان المسلمين”، وهما مؤلف “فقه السنة” السيد سابق ومحمد الغزالي. كان سابق والغزالي مسؤولين عن إدارة المساجد والدعوة والدعاة في وزارة الأوقاف، وابتكرا لجنة “الدفاع عن الإسلام” وسكرتيرها سليمان فياض.

الهدف المعلن للجنة هو الرد على افتراءات المستشرقين، ولكنها عقدت برئاسة سابق وعضوية الغزالي وآخرين لمناقشة “أولاد حارتنا”، وقد “قدم الشيخ الغزالي ورقتين معدتين من قبل يستعرض فيهما أولاد حارتنا من زاوية الاتهام وحدها، ولا يتيح لها دفاعا… وفي الورقتين كانت الإدانة لأولاد حارتنا، في غيبة من الدفاع والمتهم… وكان الحكم بإلحاد نجيب محفوظ وتكفيره… منذ ذلك الحين وقصة التكفير والاتهام بالإلحاد.. لا تتوقف”.

دفع السيد سابق بالورقتين إلى السكرتيرة لكتابتهما بالآلة الكاتبة، وأقنعها سليمان بزيادة نسختين للاحتفاظ بهما إلى وقت الحاجة، ثم غادر ولم يعد إلى عمله بوزارة الأوقاف، وقدم التقرير إلى محفوظ في مقهى ريش، فبدا “شاحبا في الضوء الساطع”، وسأله: معنى ذلك أنها لن تنشر في كتاب؟ فاقترح عليه سليمان نشرها في دار الآداب ببيروت، وكتب رسالة إلى سهيل إدريس، فأجابه “قل لنجيب ألا يتصرف في الرواية. سأحضر إلى القاهرة بعد أسبوع وحضر سهيل في موعده، وقابل محفوظ وتعاقد معه”.

في نهاية نوفمبر 1994، التقى الغزالي ومحفوظ للمرة الأولى في المستشفى، الأول زائرا والثاني يعالج بعد محاولة اغتياله، وأثيرت قضية “أولاد حارتنا”، وقال محفوظ إنه قرر ألا تنشر في مصر إلا بموافقة الأزهر، وقالت زوجته إن الرواية في أيدي القراء بالفعل، فعلق الغزالي بخشونة بأن السموم تنتشر بالطريقة نفسها رغم حظرها.

المعادلة بسيطة: رواية نشرت مسلسلة، ومتاحة ككتاب لمن يريد شراءها أو قراءتها، ولم تُسجل حالة ارتداد لقارئ، منذ 1959 حتى أصدرتها دار الشروق بالقاهرة 2006، بمقدمة لأحمد كمال أبوالمجد، وكلمة الغلاف الخلفي لمحمد سليم العوا، ولا يخلو منها الآن مكان في الشارع يبيع الكتب المقرصنة.

فلماذا أثيرت حولها ضجة بعد تنويه بيان لجنة الأكاديمية السويدية للآداب بها في حيثيات منح الجائزة، ضمن أربعة أعمال لمحفوظ؟ ربما يكون حقدا من كارهي الفرح وأعداء البشر، ورفضا للجائزة لا للرواية التي أصبحت جزءا من عناوين كتب تفترسها: “أولاد حارتنا فيها قولان” لجلال كشك، و”كلمتنا في الرد على أولاد حارتنا” لعبدالحميد كشك، وهما ليسا أخوين.

يرى نقاد أن “ملحمة الحرافيش” أكثر نضجا من “أولاد حارتنا” التي أضعفها تماس رمزي مع قصص ديني، ولا أدري مدى استقبال قارئ أجنبي لم يقرأ القرآن والعهد القديم للرواية وهو خالي الذهن؟

أما تعلل المتعنتين بأن الرواية تطعن في سير الأنبياء، فترد عليه حيثيات جائزة نوبل بأن محفوظ “يتحدث فيها عن بحث الإنسان عن اللانهائي عن القيم الروحية”. وفي كتاب “الإسلامية والروحية في أدب نجيب محفوظ” (1978) يرى محمد حسن عبدالله أن تاريخ البشرية عند محفوظ يتمثل في علاقتها بالله، وسعيها لاكتشاف نفسها من خلال هذه العلاقة، والرواية في نظره “تاريخ للضمير البشري في علاقته بخالقه… أولاد حارتنا دفاع حار عن القيم الدينية السامية”.

لم يتاجر محفوظ بمنع الرواية، بل راهن على الزمن، وكسب الرهان، واستدعيت من الرواية مقولات في ثورة 25 يناير، فمع المواجهات مع المجلس العسكري ثم الإخوان جيء بمقولة “الخوف لا يمنع من الموت ولكنه يمنع من الحياة”.

كما تستدعي سطورها الأخيرة لتشابهها مع الأجواء الحالية، فقبل يوم الخلاص الموعود وانتشار الظلم والخوف واختفاء شبان من الحارة تباعا، “باتت الحارة في جو قاتم من الخوف والحقد والإرهاب. لكن الناس تحملوا البغي في جلد ولاذوا بالصبر. واستمسكوا بالأمل، وكانوا كلما أضر بهم العسف قالوا: لا بد للظلم من آخر، ولليل من نهار، ولنرين في حارتنا مصرع الطغيان ومشرق النور والعجائب”.

روائي مصري

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر