الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

سياسة الحرير الشائك ضد حزب الله

بين حيثيات الخطاب السياسي السعودي المتصاعد ضد حزب الله خاصة وأدوات طهران في المشرق العربي عامة، تحريك لمفاصل المشهدية السياسية في أكثر من عاصمة عربية باتت اليوم مجال مكاسرة إقليمية.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2017/11/11، العدد: 10809، ص(9)]

قد تكون من المرات القليلة والنادرة التي تستعمل فيها الدبلوماسية السعودية عبارة “إعلان الحرب على المملكة” في توصيفها لأداء حزب الله اللبناني ومسلكياته السياسية والإعلامية والإجرائية ضد الرياض.

العبارة استعملها وزير شؤون الخليج في الحكومة السعودية ثامر السبهان، قبل أن يستخدمها وزير الخارجية عادل الجبير لدى توصيفه لحادثة إطلاق الحوثيين لصاروخ باليستي ضد العاصمة الرياض، وهو توصيف سحبه الجبير على كافة الميليشيات التابعة للنظام الإيراني.

بين حيثيات الخطاب السياسي السعودي المتصاعد ضد حزب الله خاصة وأدوات طهران في المشرق العربي عامة، تحريك لمفاصل المشهدية السياسية في أكثر من عاصمة عربية باتت مجال مكاسرة إقليمية.

في لبنان حيث الجدال المستمر عن استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري من الحكومة اللبنانية وحيث التساؤلات والاستفسارات التي باتت اليوم أكثر من قدرة التحاليل السياسية على الإجابة والتفسير، فرضت المملكة العربية السعودية وزنها ضمن معادلات السياسة في الميدان اللبناني.

بشكل من الأشكال سحبت الرياض دعمها وتأييدها لاتفاق التسوية السياسية في البلاد الذي جاء بحليفها الحريري لرئاسة الحكومة وغريمها ميشال عون لرئاسة الجمهورية.

يقول المنطق السعودي بأن الاتفاق الذي بني على أساس تأمين استمرارية مؤسسات الدولة وتجنيبها مزيدا من الفراغ الدستوري والاستعصاء الهيكلي عبر إيجاد ترضية وازنة بين الطوائف الكبرى أفضى عوضا من تلطيف حدة الطائفية إلى تطييف الدولة اللبنانية ودولنة طائفة معينة من خلال سلاح الداخل والاستقواء بالجوار.

هنا يتحدث المسؤولون السعوديون عن ثلاثة مؤشرات تم رصدها بكثير من القلق في الرياض. المؤشر الأول كامن في أحداث تحرير جرود عرسال التي شارك فيها حزب الله بقوة إلى جانب المؤسسة العسكرية والأمنية في إشارة إلى تغوّل الميليشيات عبر الانقضاض على المهام الأصلية والحصرية للمؤسسة العسكرية المتمثلة في الجيش.

المؤشر الثاني تمثل في تعيين لبنان لسفير جديد لها في العاصمة دمشق وهي خطوة لا تفهم سعوديا إلا في سياق تجيير حزب الله لتقدمه في سوريا واستثمار انتصاراته النسبية على الواقع اللبناني.

أما المؤشر الثالث فكان في اقتراب المصادقة على القانون الانتخابي الجديد، وهو القانون الذي تؤكد معظم القراءات السياسية اللبنانية أنه سيكون حصان طروادة اقتراعي لتحويل لبنان من دولة الطائفية المتوازنة، إلى بلد الطائفة الواحدة الوازنة.

وحسب المنطلق السعودي لم يكن من بد لإيقاف ابتلاع الطائفة للدولة وسلاح الميليشيا لسلاح الجيش والمؤسسة الأمنية سوى باستحثاث الاستقالة الحريرية من رئاسة الحكومة عبر التأكيد بأن الدعم السعودي للتسوية اللبنانية انتهى بشكل كامل.

يدرك سعد الحريري جيدا بأن لبنان محكوم بالتوافق الطائفي والتقاطع الإقليمي، كانت معادلة “س – س” (السعودية وسوريا) حاكمة بقوة ومؤمنة لصيرورة عمل مؤسسات الدولة اللبنانية، قبل أن تصبح إيران فاعلا قويا ضمن المعادلة مع سوريا في وهلة أولى، وقبل أن تبتلع طهران سوريا- دولة ودورا- في مرحلة ثانية.

هنا يكمن الإدراك الحريري أيضا بأن دفة السلطة لن تتحرك أبدا وأحد روافدها يرى في المشهدية اللبنانية التهاما ناعما للتسوية بين الطوائف الحاكمة ومغالبة لمعادلة “الحضور الإقليمي ضمن الفضاء المحلي”. هكذا استوعبت الرياض تغيرات المشهد في لبنان وهكذا كان التحرك ضمن ليلة السبت الطويل.

وكما لا يمكننا فصل المحلي عن الإقليمي، تنتصب الدائرة الدولية ضمن زوايا القدرة التفسيرية على التصعيد السعودي ضد حزب الله. ذلك أن التصعيد السعودي ضد حزب الله يتزامن في التوقيت والتشخيص مع بدايات خريف غضب أميركي ضد إيران وأدواتها في المنطقة، يبدأ من عقوبات مالية وإدارية ضد قيادات في حزب الله والحرس الثوري الإيراني، ولا ينتهي عند مسار المراجعة العميقة وقد تكون الراديكالية للاتفاق النووي الإيراني.

وبشكل من الأشكال أيضا تعرف تضاريس المنطقة وحيثيات زمنها الاستراتيجي مخاض صفقة القرن التي وضع ارتساماتها الكبرى الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال القمة العربية الإسلامية الأميركية في الرياض. وهي صفقة تريدها واشنطن استدرارا لتسوية تاريخية بين الفلسطينيين والإسرائيليين ولتحالف عربي معتدل ضد القوى الراديكالية في المنطقة وعلى رأسها إيران وأدواتها في المشرق العربي.

وكما تتم محاصرة أدوات إيران في العراق من خلال تقوية الدولة وربطها باتفاقيات اقتصادية واستراتيجية مع السعودية، يتم تطويق حزب الله في لبنان من خلال رفع غطاء الشرعية عليه المتمثلة في الحكومة.

وكما تعالج السعودية الحوثيين بالحديد دون استبعاد كلي للحرير المتمثل في القبول بالحل السياسي وبشرعية الرئيس عبدربه منصور هادي، فهي أيضا تتعاطى مع حزب الله اللبناني بمنطق الحرير الشائك دون إلغاء لفرضية الحديد.

هل من حرب سعودية خليجية في الأفق ضد حزب الله وهل من استدرار لنموذج اليمن في لبنان؟ قد تكون فرضية النفي الأقرب حاليا على الأقل لعدة اعتبارات، ولكن الأكيد أن منطق الحرير الشائك عبر استقالة الحريري رسالة مضمونة الوصول لحزب الله ولإيران بان الفرضيات مفتوحة على أكثر من خيار ومن بديل.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر