الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

منتدى شباب العالم.. مصر من الدور إلى الكرنفال

ماذا يجدي إنفاق المئات من الملايين تحتاجها القطاعات الخدمية المتداعية على منتدى لكي يحذر فيه السيسي من خطر الإرهاب، ويزيد الواضح وضوحا فيقول إن الإرهاب لا دين له ويشرح خطورة الزيادة السكانية.

العرب سعد القرش [نُشر في 2017/11/14، العدد: 10812، ص(9)]

في كتابه “مبارك وزمانه من المنصة إلى الميدان” سجل محمد حسنين هيكل أن تكاليف وجود رئيس الدولة في منتجع شرم الشيخ تبلغ نحو “مليون جنيه بالزيادة يوميا عن المصروفات العادية للرئاسة!”، ولا أتوقع إعلان التكلفة التقريبية لتنظيم “منتدى شباب العالم” طوال خمسة أيام في شرم الشيخ، بحضور ثلاثة آلاف شخص من 100 دولة، ولا إعلان آليات اختيار لا تخطئ لكي تحمل، من وادي النيل إلى منتجع المرضي عنهم، شبابا له “وجهة نظر أخرى” في سياسات تدار بها بلاده.

كل ما شغلني وقد انتظرت حتى انتهى الكرنفال الخميس 9 نوفمبر 2017 أن أجد شيئا من العدالة في “التمثيل”، فجاءتني الإجابة في اليوم الرابع للمنتدى بصدور حكم قضائي نهائي وبات بمعاقبة 18 مواطنا بالحبس مع الشغل لمدة ثلاث سنوات وتغريم كل منهم 100 ألف جنيه، أما علاء عبدالفتاح وأحمد عبدالرحمن فعوقبا بالحبس خمس سنوات، ووضع كل منهما تحت المراقبة خمس سنوات تبدأ بنهاية فترة السجن.

أتخيل طريقة الانتقاء. لا تسمح بنسبة خطأ، فتضمن “التمثيل” متقنا، ينفذ سيناريو مكتوبا بدقة، ولا مجال لاختلاف الإخراج النهائي عن “الورق”، ولو أخليت مدينة من ضيوفها. كنت شاهدا على اختصار يومين من عمر “مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة”، فجأة أبلغ المشاركون، مصريين وعربا وأجانب، بأن الدورة التاسعة عشرة ستختتم يوم 23 أبريل 2017، قبل يومين من البرنامج المعلن والدليل المطبوع والفنادق وتذاكر الطيران المحجوزة. أخليت الأماكن تمهيدا لعقد منتدى “تمثيلي” للشباب، بحضور عبدالفتاح السيسي أيضا. الأجانب ظنوا الإبلاغ الهزلي دعابة، وتأكد لهم أن الأمر لا يحتمل إبطاء المغادرة، فتمنوا لو كان في الدوائر العليا “رجل رشيد” يقترح على “الرئيس” أن يفاجئ ضيوف المهرجان في حفل الختام الأساسي، فيكون هذا السلوك العفوي دعاية للسياحة أفضل من جهود مكاتب السياحة الخارجية. أما أن تعجز الأجهزة عن تأمين المنتدى إلا بعد “تنظيف” الإسماعيلية من الفنانين والمخرجين والنقاد فدليل إضافي وشهادة مصرية على أن المحروسة منطقة خطرة.

تبدو أحكام السجن في هذا التوقيت خلاصا من صداع شباب “خطر” لا يملك إلا رفع صوته بالاعتراض، وجريمته أنه واجه بصدر عار قانونا غير دستوري، وهو ما جرى في نوفمبر 2013، حين رفض مشاركون في ثورة 25 يناير 2011 وموجتها الثانية في 30 يونيو 2013 قانون حظر التظاهر الذي صدر في غياب البرلمان، فاتهموا بالتظاهر دون تصريح، وإثارة الشغب وقطع الطريق، والاشتراك “في تجمهر مؤلف من أكثر من خمسة أشخاص من شأنه أن يجعل السلم العام في خطر”. ولا أظن مواطنا شكا من تعطله بسبب تلك المظاهرة، أو آذته لافتة رفعها غاضبون اعتراضا على ما صار لاحقا إحكاما للقبضة الأمنية.

ليس بين أي من المرضيّ عنهم في منتجع شرم الشيخ ابن محكوم بالسجن ظلما، أو أخ يقضي عقوبة وهو بريء مثل الشاب أحمد عبدالرحمن، سجين الشهامة، وقد أبى أن تنجيه كذبة بيضاء. كان يعمل في شركة أمن خاصة، ويحمل شنطة صغيرة فيها أغراض بسيطة منها سكين صغيرة لتقطيع الفاكهة والخضر في وردية الحراسة الليلية، ومر مصادفة بمظاهرة لمحتجين على قانون التظاهر بوسط القاهرة، وحاول إنقاذ متظاهرات من معتدين، فقبض عليه مع متظاهرين، وأقر في التحقيقات بأن السكين تخصه، ورفض نصيحة المحامي بالإنكار، فاتهم بحيازة سلاح أبيض ولم ينجه الصدق.

قبل هذه المناظرة بأربع سنوات شهدت القاهرة حدثا ثقافيا كبيرا يرسخ مكانتها بعيدا عن بهرجة الكرنفال. لم يكن مصطلح (القوة الناعمة) قابلا للابتذال

تستأسد الشرطة في إثبات الكفاءة بالقبض على البعض بالشبهات، ولكنها تثبت عجزا، أو تواطؤا واضحا، فلا تعرف أين يختبئ وزيرها السابق حبيب العادلي المطلوب للعدالة، لتنفيذ عقوبة السجن المشدد سبع سنوات في قضية “فساد الداخلية” مع آخرين وتلزمهم بردّ 195 مليونا و936 ألف جنيه. والحكم صادر قبل أيام من الإنهاء القيصري القسري لمهرجان الإسماعيلية وإخلاء المدينة من ضيوفها. فأي رسالة يمكن أن ينقلها “منتدى شباب العالم” عن مصر؟

لا تسهم محاولات كرنفالية في صنع صورة جميلة لحقيقة غير ذلك. ولا تختلف إلا في الدرجة عشوائية القبض على بريء عن عشوائية حركة المرور، وتلويث نهر النيل بمخلفات صناعية وآدمية، وتصاعد أدخنة سيارات متهالكة، وأتربة من الأرصفة والإسفلت لتغلف القاهرة بستار رمادي مثير للاكتئاب.

الحقيقة اعترف بها السيسي في لحظة غضب، قبل أيام من انعقاد المنتدى، إذ سئل في مؤتمر صحافي بباريس (24 أكتوبر 2017) مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون عن أوضاع حقوق الإنسان في مصر، فأجاب بسؤال يستنكر إثارة هذه القضية ومصر ليس فيها “تعليم جيد، ولا علاج جيد، ولا توظيف جيد، ولا إسكان جيد”، ولم يطرح تصورا أو آفاقا لإصلاح هذا الخلل الشامل. وأبسط ما يرد به المصري البسيط أن من يدير مؤسسة ويعجز طوال سنوات عن توفير العلاج والتدريب لرفع الكفاءة المهنية والسكن الملائم فما دوره؟ ولماذا يستمر رغم الفشل؟ وماذا يجدي إنفاق المئات من الملايين- التي تحتاجها هذه القطاعات الخدمية المتداعية- على منتدى لكي يحذر فيه السيسي من خطر الإرهاب، ويزيد الواضح وضوحا فيقول إن الإرهاب لا دين له، ويشرح خطورة الزيادة السكانية. كلام لا يحتاج إلى هذه الملايين، تعميم يستهدف قائله الإعفاء من المسؤولية، والهروب من حقيقة أن محاربة الإرهاب ليست مشروعا للمستقبل. ثم إنه ردد كل هذا “الكلام” في منتديات شبابية أنفقت فيها أموال أقل؛ لأنها أقيمت في مدن غير صالحة لاستقبال هيلين هانت. ولم نسمع أن للمنتديات السابقة ثمرة اقترب أوان قطافها.

بدأت كلامي مشككا في عدالة “التمثيل” في المشاركة، ولم أنس دقة تنفيذ هذا “التمثيل”، تجنبا لصوت نشاز من خارج السيناريو قد يضطر السيسي إلى الانفعال في وجود أجانب، وغضبه مباح لو كانت الجلسة مصرية، كما حدث بالتقاط برلماني للميكروفون في لقاء بدمياط في مايو 2017، والتمس في كلمة مدتها 44 ثانية إرجاء رفع الأسعار حتى يرفع الحد الأدنى للرواتب، فانفعل السيسي “انت مين؟ انت دارس الموضوع اللي بتتكلم فيه؟ انت دارسه؟ ايه ده؟”، فيقفز إلى الذاكرة عنوان كتاب يوسف إدرس “عن عمد.. اسمع تسمع”، فلا تظن السيسي يجيد الإنصات مثل جمال عبدالناصر، وإن كان يحلم بشعبية عبدالناصر بسياسات مبارك.

في عام 1962 عقب خالد محمد خالد على كلمة عبدالناصر في مؤتمر يذيعه التلفزيون مباشرة، وأسهب في الكلام قائلا إن الديمقراطية “أن يكون الشعب قادرا على أن يختار حكامه باقتراع حر، وأن يكون الشعب قادرا على أن يغير حكامه باقتراع حر. الديمقراطية هي أن يمارس الشعب مسؤوليته، وأنا لا أجامل حين أقول إننا إذا أضعنا على الشعب اليوم فرصته الكاملة في أن يمارس الديمقراطية بالمفهوم الذي ذكرته الآن فإننا نحرمه فرصة العمر”، وناقشه عبدالناصر في مناظرة رفيعة المستوى.

قبل هذه المناظرة بخمس سنوات شهدت القاهرة حدثا ثقافيا كبيرا يرسخ مكانتها بعيدا عن بهرجة الكرنفال. لم يكن مصطلح “القوة الناعمة” قابلا للابتذال، وفي الأسبوع القادم متسع للتفاصيل.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر