الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

'نصف القطر' قدرات استثنائية تبيد الآخرين

  • لا شك أن القدرات الفردية الخارقة كانت واحدة من أبرز الثيمات التي عرضتها سينما الخيال العلمي، قدّمت هذه السينما أبطالا قادرين على تجاوز حدود الزمان والمكان والتمرّد على الجاذبية الأرضية، بما في ذلك القفز والتحليق وغيرهما من القدرات الاستثنائية، لكن في فيلم الثنائي الكندي كارولين لابريش وستيف ليونارد المعنون بـ”نصف القطر” نجد طرحا مغايرا للبطل الخارق المنقذ، بل هو القاتل أصلا.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2017/11/20، العدد: 10818، ص(16)]

شر لا حل له

كانت سلاسل الكوميكس الأميركية هي المساحة الواسعة التي امتدت عليها الشخصيات ذات القدرات الاستثنائية التي حفلت بها سينما الخيال العلمي، ولا تزال تنتج المزيد من الشخصيات الخارقة التي صار لها جمهور واسع، كما هي سلسلة “باتمان” و”رجل الظلام” و”متسابق المتاهة” و”روبوكوب” و”المنتقمون” و”الرجل الحديدي” و”الرجل العنكبوت” و”كابتن أميركا” و”لوغان” و”سوبرمان” وغيرها.

ولعل ما يلفت النظر في هذا النوع من الأفلام هو ترسيخ شخصية البطل وملاحقته في مغامراته حتى النهاية، علما أنه نوع من الأفلام التي باتت تصنّف متفرعة من أفلام الخيال العلمي وضمن قائمة الأبطال الخارقين.

وفي الفيلم الأخير “نصف القُطر”، وهو من إخراج الكنديين كارولين لابريش وستيف ليونارد (إنتاج 2017) هناك أيضا البطل الخارق، ولكن من زاوية أخرى مختلفة تماما، فإذا كان البطل في الأفلام التي أشرنا إليها من قبل يفتخر بقدراته الاستثنائية، فإنه هنا مبتل بها ويريد التخلص منها، ولكن من دون أن يستطيع.

وتدور أحداث الفيلم بأكملها حول شخصيتين مع حضور بسيط لشخصيات ثانوية قليلة، وهنا سنتساءل عن قدرة المخرجيْن على إدارة الأحداث وتقديم فيلم متماسك من أفلام الخيال العلمي من خلال شخصيتين فقط، وهو تحد وخيار ليس سهلا؟

نبدأ مع ليام (الممثل دييغو كلاتينهوف)، الذي يفيق من حادث انقلاب سيارته، وهو مدمى الوجه ثم يكتشف أنه بلا ذاكرة ولا يدري أين هو، حيث يجد نفسه في أرض زراعية ممتدة، وإذا سار باتجاه سوق ومقهى يجد الناس هلكى وعيونهم مبيضّة وكأن وباء قد ضربهم. وبالتدريج يكتشف ليام أن لديه قدرة خارقة، هي قتل الناس فورا، إذا ما اقتربوا من دائرة نصف قطرها خمسون قدما أو نحو ذلك.

يلوذ ليام مذعورا بأحد البيوت محاولا الابتعاد عن أي أحد لكي لا يتسبب في مقتله، لتلاحقه فتاة في نفس وضعه هي الأخرى فاقدة للذاكرة، ولكنها كانت معه أثناء حادث انقلاب السيارة، وبطريقة ما تعرف أن اسمها جين (الممثلة شارلوت سوليفان)، ثم ليكتشف الاثنان أن قدرات ليام في القتل تتعطّل في حالة واحدة، هي وجود جين بالقرب منه.

البطل في الفيلم على عكس المعتاد لا يفتخر بقدراته الاستثنائية، بل هو مبتل بها ويريد التخلص منها

وفي المقابل، يتحول ليام إلى هدف للشرطة باتهامه بالإرهابيين ولكن كلما داهموه تسبب في مقتلهم فورا من دون أن يقصد.

وعلى صعيد السرد الفيلمي تمكن المخرجان، وهما كاتبا السيناريو أيضا، من صنع خطوط سردية متعددة أخرجت الأحداث من دائرة الثنائي ليام وجين، بل تم بناء السرد ببراعة ملفتة للنظر بدّدت الملل الذي توقعنا أن يتسبب فيه الإيقاع الرتيب للحوار بين الاثنين.

هنالك حس إنساني عميق بين الشخصيتين، في ما ليام يعيش عذابات حقيقية من جراء ما يمرّ به، فضلا عن أن التناغم بين الشخصيتين يتعدى التمسك بالآخر إلى ما هو أبعد من ذلك باتجاه إنقاذه، ولكي يضمن المخرجان التصعيد الدرامي فقد بثّا حبكات ثانوية أفادت كثيرا في توفير عنصر المتعة في المشاهدة. وتكتشف جين أنها متزوجة من رجل لا تكاد تتذكّره، وأنه هناك قبلها ظاهرة متفشية تتمثّل في اختفاء العديد من الفتيات، ومنهنّ توأم جين نفسها واختفاؤها وبحث الشرطة عنها.

وخلال كل هذا تتكرّر ظاهرة تساقط الطيور وموت رجال الشرطة في أماكن عدة، فيما أجهزة الإعلام تفترض أن وباء صار يضرب بعض الناس بشكل غامض.

وعلى الصعيد المكاني تم تصوير أغلب المشاهد في مناطق حقيقية، وغالبا في مزارع وخارج المدن، وبالمقابل كانت هناك عناية كبيرة بصناعة المشهد وزوايا ومستويات التصوير، خاصة في تلك المشاهد التي صوّرت إحساس ليام بالشقاء في داخله وهو يحاول عاجزا إيجاد تفسير لكل ما جرى ويجري.

على أن الانقلاب الدرامي المفاجئ يقع ساعة أن يخرج ليام ليدور حول المنزل لوحده، فتكتشف جين ألبوما فيه صور الفتيات المفقودات، ومنهنّ شقيقتها لتعرف أن القاتل ليس إلاّ ليام، وتستعيد شيئا من الذاكرة، حيث تعلم أن سبب وقوع حادث انقلاب السيارة بها هي وشقيقتها التوأم، هو محاولتها إنقاذ نفسها عندما كان ليام يحاول قتلها.

هنا سوف تختلط عناصر الخيال العلمي في الفيلم بعنصري الجريمة والطابع البوليسي الذي أضيف لتطوير الأحداث من أجل المزيد من التشويق، وهي إضافة بارعة وملفتة للنظر، ولم تبد مجرد تطويل للأحداث أو محاولة لإنقاذ الإيقاع الفيلمي.

وفي المقابل هناك براعة في أداء الشخصيتين ليام وجين، فقد نجحا بشكل مبهر في قيادة الأحداث وفي تنويع التعابير وفي نقل أحاسيس عميقة بقليل من الحوار، لا سيما وأن كل منهما كانا يعيشان فقدان الإحساس بالذات بسبب محو الذاكرة.

ويبقى عنصر أخير في مسار الفيلم، هو النهاية الدرامية التي تجعل من ليام محاصرا بعبء قدرته الخارقة في قتل الناس، أما وقد أصيبت جين بطلق ناري وابتعدت عنه، وهي معرضة لاحتمال الموت، فإنه سيتسبب في موت المزيد من الناس، ولهذا يقرّر إنهاء حياته منتحرا.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر