الثلاثاء 12 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10840

الثلاثاء 12 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10840

سحر الجهل

في القرنين السابع عشر والثامن عشر كانت هناك حوادث مهاجمة مسارح وإضرام النار فيها سخطا على مسرحية. اليوم لا شيء من هذا مهما خرقت المسرحية المألوف.

العرب حسين صالح [نُشر في 2017/11/21، العدد: 10819، ص(24)]

عايش جيلي عقودا من صناعة السينما. عرفنا نجوما ونجوما ونلاحظ أن ممثلي اليوم ليسوا من نجوم الأمس في شيء. أبطال اليوم ما فيهم سحر ولا بريق وما عندهم هالات. تنظر إلى أنجلينا جولي فترى معارك طلاق من براد بيت. تشاهد غوينيث بالترو فترى معها تحرشا رخيصا. لكن لدى النظر إلى صورة لورانس أوليفييه وفيفيان لي من الخمسينات فكأنك ترى سكان جبال الأولمب أو أيقونتي جمال.

السبب في اختفاء الهالات والنجومية الحقة هو أننا صرنا نعرف الكثير عن الممثلين. المعرفة تكشف وتعري وتسلط أضواء ساطعة ترينا العيوب، والجهل يضفي روعة وبهاء. اليوم نعرف الكثير عن كل ممثل وشخصية عامة يسوقنا ولع لا حد له بكشف المستور وهتك الحجب ودس الأنوف في كل مكان.

حين كنّا صغارا كانت لدينا تعليمات مشددة بأن لا نفتح حقيبة الوالدة اليدوية أبدا. لذلك كنت أتصور وأتوهم ما في الحقيبة. كنت أتخيّلها مثل كهف علي بابا مليئة بالذهب والزمرّد، ولكن مع مرور الزمن جنح الخيال أكثر فأكثر وصرت مقتنعا أن في حقيبة أمي مسدس وقناع وأنها عضو في عصابة. ظل خيالي ينسج أوهاما رائعة عمّا في الحقيبة ولو أني فتحتها لوجدت محفظة نقود صغيرة وقلما ومناديل ورقية وأشياء تافهة أخرى. لهب الخيال أجمل.

كل شيء اليوم مشروح ومسلط عليه ضوء بحيث يصير خابيا لا بريق فيه. كان هناك وهج فأطفأته المعرفة. نسمع حكايات من الزمن القديم تقول إن الإمبراطور نابليون الثالث هاجم لوحة حديثة وقطعها بسوطه غضبا من وقاحة الرسام وحداثته المفرطة. أذكر هذا بتوق لأن الفن اليوم لا يستفز أحدا.

في القرنين السابع عشر والثامن عشر كانت هناك حوادث مهاجمة مسارح وإضرام النار فيها سخطا على مسرحية. اليوم لا شيء من هذا مهما خرقت المسرحية المألوف. وأذكر أني كنت في التيت غاليري، وهو بمثابة متحف الفن الحديث، وكانت هناك أعمال صيانة وترميم في إحدى صالات العرض.

بدا لي أن العمّال ذهبوا لبعض شأنهم وتركوا عدّتهم في الصالة. تركوا بالتحديد سلما خشبيا يعلوه غطاء أبيض وسطل صبغ وفرشاة عريضة. كانت هناك سيدتان عجوزتان في الصالة. توقفتا لدى عدّة العمال الغائبين ثم قالت واحدة للأخرى: أظنه فن حديث. ظنت أن السلم الخشبي والسطل والفرشاة عمل تشكيلي. هذا غريب لكن الأغرب هو أن العجوزتان لم يستفزهما “العمل الفني”. لا تفسير لهذا سوى أن الأشياء مشروحة أكثر مما ينبغي.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر