الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

القاهرة السينمائي.. هل هي الشيخوخة؟

البرود نفسه واكب هذه الدورة، وكان الذاهب إلى ميدان التحرير والعائد منه يعرف من الأضواء والألعاب النارية أن في دار الأوبرا فرحا بالسينما.

العرب سعد القرش [نُشر في 2017/11/24، العدد: 10822، ص(16)]

حتى وفاة الرئيس الرمز لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي سعدالدين وهبة في نوفمبر 1997، كان المهرجان مناسبة ينتظرها عشاق السينما، ويصطف الجمهور أمام دور العرض في وسط البلد في انتظار الدخول، ومن ذلك الزحام خرجت مقولة “قصة ولا مناظر؟”، سؤال يلخّص الفيلم في إجابة من كلمة واحدة.. هل الفيلم درامي؟ أم يحفل بالمشاهد الساخنة؟ مضى عشرون عاما على ما أصاب المهرجان منذ ورثته وزارة الثقافة عام 1998.

في عهد سعدالدين وهبة، حافظ المهرجان على استقلاله، فلم يحمل دليله ولا إصداراته شعار الوزارة، وبدا رحيل الرجل خلاصا من كابوس، فسارع وزير الثقافة العتيد فاروق حسني إلى احتواء المهرجان، بتعيين الممثل حسين فهمي رئيسا، فانتقل المهرجان من دفء الشارع إلى فتور دار الأوبرا وأرستقراطيتها.

وضعت “وزارة الثقافة” يدها على المهرجان بالتحالف مع رجال المال، وضمهم إلى مجلس أمنائه، ووجّه رئيسه إليهم الشكر في حفل افتتاح الدورة الثانية والعشرين (1998)، وكتبت آنذاك مقالا في مجلة “سطور” نلت عنه جائزة من نقابة الصحافيين، وكان عنوانه “دورة الباشوات الجدد” سجلت فيه كيف “غابت السينما في مهرجانها، وحضر المال المتحالف مع الشهرة والنفوذ”، وتساءلت “ماذا لو فاز حسين فهمي بجائزة التمثيل عن دوره في فيلم ‘اختفاء جعفر المصري’ الذي تنافس في تلك الدورة”، والحمد لله أنه سقط من ذاكرة السينما، الفيلم طبعا لا الممثل الذي عاد في الدورة 39 التي افتتحت مساء الثلاثاء (21 نوفمبر2017) رئيسا للجنة التحكيم.

بداية غير مبشرة، فالافتتاح جرى بعيدا عن وسط البلد، في صرح يسمى مركز المؤتمرات الدولية بالقاهرة الجديدة، وقد وصفه حاضرون بأنه أشبه بمعسكر حدّدت فيه إقامة الداخلين أكثر من ساعتين قبل بدء حفل ازدان من الخارج بالأضواء، وحرص مخرجه على أن تكون اللقطات قريبة “كلوز آب”، فلا نرى صورة بانورامية للقاعة التي بدت في صور فوتوغرافية لوزير الثقافة وللممثلة البريطانية إليزابيث هيرلي باردة لخلوّ الكثير من المقاعد.

البرود نفسه واكب هذه الدورة، وكان الذاهب إلى ميدان التحرير والعائد منه يعرف من الأضواء والألعاب النارية أن في دار الأوبرا فرحا بالسينما.

وعند عرض فيلم الافتتاح “الجبل بيننا” بطولة كيت وينسليت وإدريس إلبا، خلت القاعة التي كانت كرنفالا لاستعراض العطور وفساتين السهرة، إلاّ من عدد محدود، موقف محبط لا شك لمخرج الفيلم الفلسطيني هاني أبوأسعد الذي ساءه عدم ملاءمة القاعة لعرض الفيلم، فرأى أن يعتذر للحاضرين ويوقف العرض بعد أقل من ربع الساعة.

لن أتناول ارتباك التنظيم مثل دعوة إليزابيث هيرلي لتسلّم درع التكريم، فتصعد إلى مسرح خال إلاّ من الممثل المصري آسر ياسين مقدّم الحفل ومقدّم الدرع أيضا، وكان يفترض أن يسلمه الوزير أو رئيسة المهرجان. وفي اليوم التالي (الأربعاء) أول أيام عروض الأفلام لم يعرض الفيلم البلجيكي “رئيس الوزراء” أول عمل مدرج في جدول العروض.

هذه اللخبطة من السمات المزمنة للمهرجان، ولكن ما لا يليق ألاّ تعرض أفلام المسابقة الرسمية على الأقل في المسرح الكبير بدار الأوبرا، ويقال إن خلافا بين إدارة المهرجان ورئيسة دار الأوبرا جعلها ترفض استضافة حفلي الافتتاح والختام بالمسرح الكبير، واستبعدته من أي عروض للأفلام، وكأن الوزارة بلا رأس يدير مؤسساتها ويضبط الإيقاع العام.

والمسرح الصغير لا يصلح إلاّ لحفلات الموسيقى والندوات الفكرية، فتصميمه غير متدرج، وفي المشاهدة يضيع جزء من أسفل الصورة وفقا لطول قامة الجالس أمامك، أما شريط الترجمة فيتآكل إلاّ من كلمة تقتنصها لنجاتها من مسافة بين رأسي اثنين أمامك، لأن المسرح ليس قاعة سينما ومشاهدة ثلاثة أفلام يوميا نوع من المعاناة.

في السنوات الأخيرة كدت أردد مناجاة نوح لله: “شبعت أياما”، وأقنع نفسي بأنني شبعت أفلاما، لولا أن دورة 2014 برئاسة سمير فريد جدّدت الأمل في الإصلاح، ثم تأكد لنا أنه كان استثناء يؤكد القاعدة، ويثبت أن الإصلاح لا يجدي، ولا بد من ثورة كاملة.

في عهد سعدالدين وهبة، كنّا نعيد مشاهدة الأفلام المهمة في مقرّ اتحاد الكتاب الذي كان يتولى رئاسته أيضا، ويستطيع استبقاء نسخة الفيلم بعد انتهاء المهرجان.

في الدورة العشرين (1996)، مثلا ضم قسم “عروض مختارة” أفلاما من ثمار حركة “دوجما 95” التي أسسها المخرجان الدنماركيان توماس فنتربيرغ ولارس فون ترايير الذي عرض فيلمه “كسر الأمواج”، وقدّم بقوة بطلته إيميلي واطسون، كما عرض الفيلم الفرنسي “اليوم الثامن” للمخرج البلجيكي جاكو فان دورميل، والفيلم السويدي “كل شيء على ما يرام” إخراج بو وايدبيرع.

وللمرة الأولى، تخلو المسابقة الرسمية هذا العام من فيلم مصري، ولا يسأل المهرجان عن ذلك، بعد أن كانت الأفلام الجيدة تتنافس لكي يفوز أحدها بفرصة تمثيل مصر في مهرجانها، ويسهل رد الأمر إلى مناخ طارد للسينمائيين، للشباب تحديدا، وعدم الوعي السياسي بعائد مادي وغير مادي لا ينفد من السينما.

وأنتجت الدولة فيلم “المومياء” قبل نحو نصف قرن، وتحصد من وراء عرضه أموالا وشيئا يسميه الشوفينيون الجدد “القوة الناعمة”، هذا المصطلح الذي يردده الجميع من وزير الثقافة إلى مذيعي الحكومة، في حين لا تحتمل الحكومة ولا المهرجان عرض فيلم “آخر أيام المدينة” الذي أعلن عن مشاركته العام الماضي (2016)، ثم جرى الاعتذار عنه لأسباب ساذجة غير حقيقية، ويحرم الجمهور المصري من مشاهدة الفيلم الذي يشق طريقه وحده إلى المهرجانات في الخارج، حاصدا الجوائز والتعاطف مع مخرجه تامر السعيد.

كاتب مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر