الثلاثاء 16 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10871

الثلاثاء 16 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10871

حرب على الإرهابيين وصمت على الإرهاب

ما جدوى باب 'الجهاد' في الفقه إلا باعتباره تاريخا؟ وإذا كان الكلام المدرسي عن وجوب القتال في الإسلام دفاعا عن النفس، فهل يحتاج ذلك إلى فتوى؟

العرب سعد القرش [نُشر في 2017/11/28، العدد: 10826، ص(8)]

بعد اغتيال 305 مصريين دفعة واحدة لا يجدي لعن الإرهاب، وتجنيد كتبة وصحافيين وهتيفة ليصفوه بالإجرامي، أو “الأسود المتوحش” كما قال شيخ الأزهر أحمد الطيب في بيانه، فأي إرهاب مجرّم ولو أدى إلى إصابة مواطن واحد لا قتله. وتثبت الجريمة التي وقعت الجمعة 24 نوفمبر 2017 بمسجد الروضة بالعريش، وهو يجاور ساحة تقام فيها “حضرة” للصوفيين، فشل سياسة تواجه الإرهابيين، وفي الوقت ذاته تستأنس أفكارا إرهابية مبثوثة في كتب الفقه وخطب الجمعة وفتاوى من يروج لهم بأنهم وسطيون. كما تؤكد الجريمة أن الإرهاب والاستبداد صنوان، أولهما يسوّغ الثاني ويمنحه عمرا أطول، ولو خلصت النية لحسم الأمر بقرار.

لا جديد في الجريمة إلا حجم الكارثة، ودرجة الفجيعة لا نوعها، فالنزيف قديم، وقد جرى قتل أبرياء بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، كما اعتدي على كنائس ومساجد وأضرحة، في صرعة سلفية أعقبت ثورة 25 يناير 2011 مباشرة. في القاهرة وحولها تصدى بسطاء “مؤمنون” لسلفيين “متدينين” حمقى يجهلون روح مصر، فاستهدفوا الأطراف، وتجددت العام الماضي (2016) اعتداءات داعشية على مساجد لطرق صوفية في سيناء، ووقعت حالات خطف ثم ذبح التنظيم في نوفمبر 2016 الشيخ الزاهد سليمان أبوحراز (98 عاما) بالسيف، استعراضا وترهيبا بإذاعة داعش لوقائع الجريمة، ليتأكد لنا أن مصر لم تنجُ تماما من الهوس اليميني الحالم بتوحيد ديانة ومذهب وجماعة مواطنيها، وأن تنظيم داعش في تعطشه للدم ليس مبتدعا، ولكنه مندفع إلى الحد الأقصى.

قبل الإعلان عن داعش رسميا عام 2014، تكرر رفع راية التنظيم في ميدان التحرير، بترتيبها العجيب فيمكن قراءتها “الله رسول محمد”، ودون رفع الراية ترتفع أصوات بالتضرع إلى الله لكي يهلك اليهود والنصارى ومعهم الشيعة. سمعت الدعاء من خطباء الجمعة في مصر، ومن إمام الحرم المكي في سبتمبر 2016. وما السيف والرصاص إلا أدوات تترجم نصا في كتاب قديم، وفتوى يرى شاب متحمس أن تنفيذها فرض عين، ولن يعدم شيخا وسطيا مثل محمد الغزالي يدافع عنه، ويجد من اليقين ما يحمّل القتيل المسؤولية عن مصيره، وقد شهد الغزالي في المحكمة لصالح قتلة الكاتب المصري فرج فودة عام 1992، بزعم أنه “كافر ومرتد… ويجوز أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عند تعطيلها، وإن كان في هذا افتئات على حق السلطة، ولكن ليست عليه عقوبة”.

يرفض الأزهر تكفير داعش، وهذا حسن؛ فلا يفيدنا إسلام داعش أو غير داعش أو كفرهم. الكفر والإيمان شأن خاص بين الإنسان وربه، ولكن “علماء” أزهريين لا يترددون في إعلان كفر فرج فودة وإسلام بحيري، بعد تكفير المسيحيين بالطبع. التكفير باب مفتوح على الجحيم، وما تراه إحدى الفرق كافرا وتنفذ فيه حد الردة، ربما تكتشف ضلالها بعد حين. وقد ترى فرقة ثانية أن الأولى كافرة وتحث على قتالها. وكلتا الفرقتين تتحدث باسم الله وتتقرب إليه بالدم.

في فجر الجمعة 17 رمضان عام 40 هجري لم يتردد عبدالرحمن بن ملجم في قتل علي بن أبي طالب وهو ذاهب للصلاة في مسجد الكوفة. لم يكن الخارجي يجهل مقام أمير المؤمنين، ولا نسي أن الإمام آثر حقن دماء المسلمين في موقعة صفين، ولكن اليقين دفعه إلى ارتكاب الجريمة. أتأمل ما جرى لابن ملجم القاتل، إذ يروي الدينوري في “الأخبار الطوال” أنهم قطعوا يديه ورجليه وسملوا عينيه وهو لا يبالي، وحين سمع أمرا بقطع لسانه جزع، فسأله عبدالله بن جعفر عن جزعه، فأجاب “إني ما جزعت من ذلك خوفا من الموت، ولكني جزعت أن أكون حيا في الدنيا ساعة لا أذكر الله فيها”.

لا يختلف ابن ملجم عن أحفاده الضالّين وهم يعلنون في المحاكمات أنهم غير مذنبين. هم صادقون مع أنفسهم، مع “دين” يؤمنون به، ويستعدون للتضحية بالنفس في سبيل نصرته، ومن العبث مواجهتهم بالسلاح، فسرعان ما ينشطر القاتل القتيل سلالة من القتلة المؤمنين بهذا “الدين”. ولا يؤدي إعدام هؤلاء القتلة إلى ردع غيرهم، ولا ينتهي سجن مشارك في مثل هذه الجريمة بإصلاحه، إذ يخرج بعد العقوبة أشد إيمانا بما سجن من أجله، ويعتبر ذلك ابتلاء، ضريبة يشكر الله عليها بالمزيد من القتل. وحين حكم الإخوان مصر خرج أبوالعلا عبدربه المتهم بقتل فرج فودة من السجن، ولم يعتذر، وقال في لقاءات تلفزيونية إنه نفذ شرع الله في رجل كفّره “العلماء”. ثم اختفى حتى لقي مصرعه في سوريا في مارس 2017.

حصدت آلات القتل أجيالا من الإرهابيين، ورغم التصفيات ما وهن الإرهاب، فالقضاء عليه تلزمه أسلحة أخرى. ولم يتدبر أحد كيف لا يفنى الإرهاب في ظل استهداف الإرهابيين بالقتل المباشر أو الإعدام؟ وتكفي مقولة سيد قطب “الطريق مفروشة بالأشلاء والجماجم، مزينة بالدماء”.

الآن وهنا، لا معنى لتأجيل مواجهة أنفسنا بأسئلة مصيرية، فالتغاضي عنها بتركها في الخطب والكتب يجعلها قنابل جاهزة للانفجار في أي لحظة:

هل نص القرآن على قتل المرتد؟ وإلى أي درجة تصلح أحوال المسلمين بالتخلص ممن يعلن ردته؟ ومتى يعلن الأزهر أن ما يسمى حد الردة ليس إلا عبئا من تركة تاريخية لا علاقة لها بزماننا ولا بجوهر الدين؟ ولا ينوء بهذه التركة القاتلة متولي الشعراوي والسيد سابق والحبيب الجفري وأحمد كريمة الذي سمعته يقول في ندوة بمعرض القاهرة للكتاب (2 فبراير 2016) “الشريعة تتضمن جريمة الردة. من ينكر معلوما من الدين بالضرورة، ويطعن في أصل من أمور الدين يجلس مع العلماء ثلاثة أيام ليستتاب”.

وإذا كان الملحد حرا في “أن يكفر”، فكيف يدعو المذكورة أسماؤهم في الفقرة السابقة إلى استتابة تارك الصلاة قبل قتله؟

وما جدوى باب “الجهاد” في الفقه إلا باعتباره تاريخا؟ وإذا كان الكلام المدرسي عن وجوب القتال في الإسلام دفاعا عن النفس، فهل يحتاج ذلك إلى فتوى؟ وكيف يحافظ غير المسلمين على الحدود والثروات والمواطنين من دون الحاجة إلى فقه يسمى الجهاد تنفق في تدريسه الأموال والأعمار؟

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر