الثلاثاء 16 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10871

الثلاثاء 16 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10871

الموعودون بالإفتاء.. مجتهدون أم ناطقون بالأحكام؟

مصر نصيبها المئات ممن يفتون في المساجد والبرامج ومترو الأنفاق، ولم يجرؤ أحد على السؤال: أي دين هذا الذي يستعصي على الفهم لكي يحتاج شعب يستورد غذاءه إلى هذا الجيش من الذين لا ينتجون إلا الكلام؟

العرب سعد القرش [نُشر في 2017/12/05، العدد: 10833، ص(9)]

منذ عشرات السنين أسمع دعاء “اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا”، ويسمعه غيري كل أسبوع في خطبة الجمعة، وربما يكون نصيب المسلم إذا صلى الجمعة في الشارع دعاءين بتداخل خطبتين. سمعنا الدعاء ولم نتدبره، تفاديا لمصيبة تخص المسلمين ولا تمس الإسلام، إلا بقدر ما يسيء إليه رجاله، حين تميل آراؤهم وفتاواهم مع ريح السياسة ميلا عظيما. وقد جرّبنا إسلاما اشتراكيا انتهت صلاحيته بصعود أنور السادات، فصار رأسماليا. وفي الحجاز أفتوا بأن جمال عبدالناصر “كافر بالإجماع”، شاقين عن صدر الرجل، وحرموا ما أحل الله، ومع الموجة السياسية الأخيرة تابعنا مرونة إفتائية لو بعث رموز الوهابية لوصفوها بالكفر.

لا أملك حصرا بعدد من يحق لهم الفتوى في دول ذات أغلبية مسيحية أو بوذية، ولو أن دولة وضعت قائمة بخمسين من رجال دينها للفتوى في وسائل الإعلام لقلت إن هناك “مصيبة في دينهم”، وإن الدولة تمنح وظائف لعاطلين، وتهدف إلى إلهاء الناس ببزنس الفتوى في قضايا تستحق أو لا تستحق. أما مصر فنصيبها المئات ممن يفتون في المساجد والبرامج ومترو الأنفاق، ولم يجرؤ أحد على السؤال: أي دين هذا الذي يستعصي على الفهم لكي يحتاج شعب يستورد غذاءه إلى هذا الجيش من الذين لا ينتجون إلا الكلام؟

في الشهر الماضي غضب مستبعدون من فضائيات خاصة وحكومية يمتهنون الإفتاء، مهنة يختلط فيها الفقه بإعلانات تجارية في دائرة رأسمالية دينها الربح. ساء المستبعدين إعلانُ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بموافقة الأزهر ودار الإفتاء، قائمة بخمسين شخصا يصرّح لهم بالظهور في برامج الفتوى الدينية في وسائل الإعلام. لا تخلو القائمة من انتقاء لا علاقة له تماما بقدرات المختارين أو “مبلغهم من العلم”، في عصر تصطنع فيها ضرورات وهمية تختلق اختلاقا، وتضخّ في سوق استهلاكية كبرى لا تختلف فيها أجهزة التليفونات المحمولة عن الفتاوى.

مات جدّي وهو لا يعرف بوجود منصب اسمه مفتي الديار المصرية، ثم توفي أبي وقد أتمّ قواعد الدين الخمس بالحج، من دون أن يعرف أسماء أي من شاغلي هذا المنصب، ولكنه كان يسمع بدار الإفتاء مرتين في السنة، وهي تعلن “غدا هو المتمم لشهر شعبان”، وفي اليوم الأخير من رمضان “غدا عيد الفطر، وكل عام وأنتم بخير”. وكان يعنيه أن “هذا الدين متين”، وأن استفتاء القلب هو الأهم، منذ أتم الله دينه.

لم أجد شيخا تلقّى سؤالا من مذيع أو مواطن، في أي قضية، قد شعر برهبة وتردد، فطلب تأجيل الإجابة، إلى أن يبحث وينظر. دائما الفتاوى حاضرة، فورية آلية يتمتع أصحابها بالجرأة، ولا يتحلى أحدهم بفضيلة تلخصها كلمتا “لا أعلم”. أدهشني ألا يكون بين المستبعدين من يحمد الله الذي أعفاه من هذا العبء، ويفرح بإبعاده عن هذه المسؤولية، فيتأسى بأخلاق الإمام أبي حنيفة، وقد دعاه أبوجعفر المنصور إلى تولي القضاء، فاعتذر قائلا “لا أصلح”، واتهمه الخليفة بالكذب وأنه يصلح، فسارع الإمام “أرأيت؟ تقول عني كذاب، فإني لا أصلح للقضاء”. آثر أبوحنيفة أن يتخفف من مسؤولية الفتوى وفضل عليها تحمل مشقة الانضمام إلى العمال في بناء سور بغداد.

للاجتهاد أدوات بحثية وإجراءات منهجية تتنافى مع المرض بالأضواء والهوس بالاستعراض. ولا أجد في رصيد الخمسين المحظوظين بالظهور الإعلامي من “الفقه” ما يؤهل صاحبه لكي يكون مجددا، وأكاد أسمع الإجابات نفسها، بالوعيد ذاته. فهل الموعودون بالإفتاء مجتهدون، أم ناطقون بأحكام تستدعى من اجتهادات تنتمي إلى سياق تاريخي آخر؟

أسعدني خلوّ القائمة من أربعة أزهريين: خالد الجندي صناعة تلفزيونية دالة، ومبروك عطية الذي هوى بالفتوى التلفزيونية ونزع عنها الوقار في استخفاف يدنيها من الكوميديا، وأحمد كريمة أستاذ الشريعة الداعي إلى استتابة المرتد قبل قتله، وأستاذة الفقه المقارن سعاد صالح التي لا ترى حرجا في تمتع جيش المسلمين وقائده بنساء العدو من أسيرات الحرب لكي يذلهن.

توقّعت إقصاء سعدالدين الهلالي أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر صاحب التجديد في الفقه بما لا يحتمله تقليديون منهم أعضاء في قائمة الخمسين، أولهم المفتي شوقي علام الذي لا يتورّع عن استدعاء فقه “المعلوم من الدين بالضرورة”، ويتيح للقاضي حق إصدار “حكم التكفير أو الردة، بعد التأكد من انتفاء جميع الموانع”. الحلم بدولة دينية يكون فيها القاضي مسلما بالضرورة يخايل المفتي فيردد شيئا اسمه المعلوم من الدين بالضرورة، وهي جملة ابتذلتها كثرة الاستخدام، ولا يتواضع من يرفعونها بتغييرها إلى المعلوم من الفقه مثلا؛ لأن الفقه البشري لديهم دين.

سأختار من قائمة المحظوظين شخصا آخر هو وكيل الأزهر عباس شومان الذي قال في خطبة الجمعة (30 نوفمبر 2012) إن الرئيس الإخواني محمد مرسي “ولي الله. يحق له أن يتولى القضاء بنفسه.. من لم يعجبه شرع الله فليبحث له عن شرع آخر”. كان ذلك بعد أيام من إعلان دستوري يرفع مرسي إلى منزلة الذي لا يسأل، وما يصدر عنه غير قابل للطعن “أمام أي جهة قضائية، وتنقضي الدعاوى المرفوعة بهذا الشأن أمام جميع المحاكم”.

شوقي علام وشومان وغيرهما كثيرون من رجال الدين ينكرون الدولة المدنية، ويحفر خطابهم في هذا المجرى، وإذا تسامح شومان قال إن الشريعة الإسلامية أقرّت “حقوقا لغير المسلمين في ديار الإسلام، ويكفي من ذلك كفالتها حرية العقيدة”.

وعدت بالاكتفاء بالرجلين، ولكنني بعد كتابة المقال رأيت بالمصادفة، في مؤسسة الأهرام، فتوى معلقة بتوقيع المفتي السابق نصر فريد واصل، وعنوانها “التدخين حرام شرعا”، وتبدأ بأن دار الإفتاء في 5 سبتمبر 1999 “أصدرت حكما شرعيا بالحرمة القطعية للتدخين”، وتنتهي بأن “التدخين حرام بكل المقاييس”. فإذا كان هذا شأن التدخين فكيف لا يجادل شيخ ثان بإباحة زواج الطفلة، ويستند شيخ ثالث إلى اجتهادات لبعض الأئمة الأربعة تحدد أقصى مدة لحمل المرأة بأربع سنوات، فإذا وضعت بعد أربع سنوات من طلاقها أو وفاة زوجها، فإن ولدها يلحق بطليقها أو أرملها.

القضاة لا يجتهدون ولا يجددون الخطاب القانوني، بل يطبّقون نصوصا اجتهد في صياغتها “فقهاء” القانون. وليس المحظوظون بالفتوى مجدّدين، بل ناطقين بأحكام بعضها لا ينتمي إلى زماننا، بعض هذا “الفقه” البشري ينتظر رجلا رشيدا يطويه طيّ السجل.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر