الاربعاء 17 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10872

الاربعاء 17 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10872

حين اندلعت القضية.. ترامب لا يكذب ولا يتجمل

ليكن الرهان على دولة تختبر علمانيتها بثورة وطنية تبدأ بالحجارة، وتنتهي بكفاح مسلح يترفع على الانتماء إلى دين أو مذهب.

العرب سعد القرش [نُشر في 2017/12/12، العدد: 10840، ص(9)]

بإعلان دونالد ترامب يوم الأربعاء 6 ديسمبر2017 اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، ومطالبته وزارة الخارجية ببدء الاستعدادات لنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس المحتلة، يكون قد صدق ناخبيه، فلم يكذب ولم يتجمل، بل أوفى بوعد انتخابي قطعه على نفسه، ومقاومة “أي محاولة من الأمم المتحدة لفرض إرادتها على إسرائيل”.

وفي اجترائه على تنفيذ ما أحجم عنه أسلافه (بيل كلينتون وجورج بوش وباراك أوباما) وعيٌ برصيد عربي من “الانحطاط” والغفلة كافيان لانعدال القضية، وعودتها إلى أصحابها الفلسطينيين، وهم بوسائلهم المحدودة قادرون على انتزاع استقلالهم وإقامة دولتهم، بمواصلة استنزاف الكيان الصهيوني، حتى يثبت لرعاة هذا المشروع الاستعماري أن تكلفة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة، أقل من خسائرهم بالرهان على كيان وظيفي عنصري تضعف كفاءته، ويعجز عن أداء مهامه في خدمة الإمبريالية الغربية.

ليس في مصطلحات الاستعمار والصهيونية والإمبريالية مبالغة، وعودة إلى زمن “والله زمان يا سلاحي”، وإن كانت العودة حتمية ما دام العدو مصرا على إشهار سلاحه تهديدا وقتلا.

أستعيد هذه المصطلحات ومعها “الانحطاط” الملائم لسلوك أنور السادات الذي وضع ألغاما في الطريق إلى الدولة الفلسطينية، ولكنه كان أقل حماقة من ترامب، فلم يجهر بوعده لإسرائيل. في مذكرات وزير الخارجية الذي استقال احتجاجا على زيارة السادات للقدس إسماعيل فهمي توثيق لما نشره وزير الدفاع الإسرائيلي عيزرا وايزمان في كتابه “المعركة من أجل السلام”، إذ دعاه السادات إلى الإسماعيلية في مارس 1978، لإبلاغه باستبعاد “منظمة التحرير من قاموسي.. لا يمكنني أن أقول هذا إلا لك وليس لبيجن؛ لأن بيجن سيعلن في اليوم التالي أن السادات استبعد منظمة التحرير”، وسأله وايزمان “أفهم أنه لن تكون هناك دولة فلسطينية؟”. فأجاب السادات “تماما.. لا دولة”.

في الشهر نفسه، مارس 1978، اقتحمت إسرائيل جنوب لبنان، واعتبر وزير الخارجية محمد إبراهيم كامل هذا العدوان “إبادة منظمة للفلسطينيين”، وأعد بيانا واتصل بالرئيس ليطلعه عليه، فلم يجد السادات الذي سأله قبيل الظهر عن سبب اتصاله المتكرر صباحا، وأبلغه الوزير بالعدوان الإسرائيلي، “فقال السادات ضاحكا: هل أعطوهم العلقة ولا لسه؟… أدّبوهم ولا لسه؟”، فقال له الوزير “حدث العكس ولقن الفلسطينيون الإسرائيليين درسا”.

واستقال الوزير في كامب ديفيد بسبب “مذبحة التنازلات”، وإصرار السادات على التوقيع “على أي شيء يقترحه الرئيس الأميركي كارتر دون أن أقرأه‏”، وتحول الرئيس “إلى موظف في حضرة كارتر يتلقى تعليماته‏”، وغضب حين راجعه الوزير، وصرخ في حضور حسن التهامي وحسن كامل وبطرس غالي وأشرف غربال “وماذا أفعل إذا كان وزير خارجيتي يظن أني أهبل”. استقال الوزير يوم 16 سبتمبر 1978، عشية توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، تاركا مقعده شاغرا.

كلما وقعت لفلسطين كارثة سارع المغفلون إلى لوم الضحايا، باجتراء على الحقائق وإطلاق الشائعات، فيتهمون الفلسطينيين ببيع أراضيهم لليهود قبل عام 1948، ويزعمون أن السادات دعاهم فرفضوا، ناسين أن وفد العدو اشترط استبعاد علم فلسطين قبل مباحثات فندق مينا هاوس في ديسمبر 1977. وتكرر الأمر بشكل رمزي سجله محمد إبراهيم كامل في كتابه “السلام الضائع في كامب ديفيد”، إذ رفض وفد العدو دخول فندق فلسطين بالإسكندرية، وكان “معدا للمباحثات لمجرد أنه يحمل اسم فلسطين. وفي المقابل أصر مناحيم بيجن، في ما بعد، على ضرورة عقد المباحثات الخاصة بالحكم الذاتي الفلسطيني في القدس بوصفها عاصمة إسرائيل الأبدية”.

هذه السطور لا تهدف إلى استعادة الماضي بل تنعش الذاكرة، وتشير إلى فشل الوساطة ولو عربية، ولنا أن نراجع ما أخفق العرب في إنجازه رغـم قرارات دولية لا تسقـط بالتقادم، تعتبر القدس مدينة تحت الاحتلال، منذ قرار التقسيم عام 1947، والقرار رقم 424 لسنة 1967 وقد نص على انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة في يونيو 1967 ومنها القدس الشرقية، والقرار رقم 478 لسنة 1980 الذي يرفض قرار الحكومة الإسرائيلية ضم القدس واعتبارها عاصمتها الأبدية.

في ظل الفوضى واهتزاز الشرعية في العالم العربي، يحال إلى النيابة مصريون تظاهروا في القاهرة الجمعة الماضي (8 ديسمبر 2017) احتجاجا على قرار ترامب، كما لا يطيب لحاكم عربي أن يتذكر نص ما انتهت إليه القمة العربية في عمان عام 1980 على “قطع العـلاقات الدبلوماسية مع أي دولة تقوم بنقل سفارتها إلى القدس”، تعهد يدعو للفكاهة بعد أن هرولت إلى العدو محميات لا تربطها بفلسطين حدود.

وارتهنت أنظمة برضا أميركي يحمي العروش، ويستأجر قواعد تنطلق منها طائراته إلى الإغارة في حرب غير مشروعة. ولم تتورع دول إسلامية عن التعاون الاقتصادي والعسكري مع عدو تندد به في العلن؛ نفاقا لشعوبها. ثم صارت “عملية السلام” غاية في ذاتها، واستنفدت عقودا وقمما عربية وأجيالا من الحكام.

وأثمر الفراغ سخافات تطوع بها ساقطو قيد من مثقفين جائعين للأضواء، فقال أحدهم من دون مناسبة، إن القدس لم تكن يوما مدينة مقدسة، وإن صلاح الدين الأيوبي أحقر شخصية في التاريخ.

وصف غير علمي، ولا يليق بباحث، أما القدس فيمكن لكائن فضائي محايد أن يعتبرها قضية إنسانية، بغض النظر عن القداسة أو عدمها، هي عاصمة دولة يحتلها إرهابيون استجلبتهم قوى عظمى، ويقدمون خدماتهم للرعاة.

قرار ترامب لم يخترع الأزمة، ولكنه نكأ الجرح، ففلسطين محتلة، وشعبها يمنع من حق العودة، وفي الداخل يعاني التمييز، ولا يجد ثمارا لتضحياته في الانتفاضة الأولى التي أدت إلى سلطة حكم ذاتي لا يدعمه ظهير عربي فيتوسل إلى الوسيط الأميركي الراعي الرسمي للاحتلال. نتائج مباحثات مدريد 1991 وأوسلو 1993 حذر منها إدوارد سعيد عام 1994 بقوله “تنبع المأساة من أن السلام الحق، لم ولن يتحقق عن طريق ما يسمى بعملية السلام الأميركية.. هذا الاستسلام، الذي لم يكن السبيل الوحيد أمامنا، هو الذي مكن إسرائيل من تحقيق كافة أغراضها التكتيكية والإستراتيجية على حساب كافة المبادئ المعلنة للنضال العربي الوطني وللكفاح الفسطيني”.

ثورة الجزائر ملهمة لفلسطين. لو راهنوا على التفاوض لشغلتهم به فرنسا إلى اليوم، وواصلت احتلالا داميا يرى الجزائر جزءا من الشرف الأوروبي، ومن العبث تخيّل ساسة ومثقفين جزائريين يفاوضون نظراءهم المحتلين أكثر من ربع قرن.

ليكن الرهان على دولة تُختبر علمانيتها بثورة وطنية تبدأ بالحجارة، وتنتهي بكفاح مسلح يترفع على الانتماء إلى ديـن أو مذهب. سيصحح قرار ترامب مسارا انحرف عنه واهمون بحل الدولتين، في جغرافيا اسمها فلسطين، لن يحررها إلا الخيال الثوري. أما العرب المحكومون بالروح العسكرية والعشائرية فهم فقراء الخيال، وتلك هي الأزمة.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر