الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

بشر عالقون بين الحاكم المستبد والإرهاب ووعي الرعاع

الطبقات الشعبية المهمشة لم تكن تعي حقوقها، والشعارات التي رفعت عن العمل والكرامة، تبيّن أنّها في غاية البساطة، وليست بقادرة على حسم الصراع.

العرب عمار ديوب [نُشر في 2015/08/08، العدد: 10001، ص(12)]

وجه الطبقة الوسطى العربية الغائب عن الأحداث

يسود غزلٌ كبير في أوساط المثقفين للطبقة الوسطى؛ فإليها ينتسب معظم العاملين في الفكر والأدب والفنون والعلوم، وأفرادها يشكلون نسبة كبيرة من أفراد الشعب، وهم أصحاب المشاريع الثقافية والسياسية، وإليها تعود أصول القادة السياسيين المدافعين عن الأثرياء وعن الفقراء، وأكثر مما يذاع صيته في ذلك، هو كارل ماركس وزميله فردريك أنجلز، اللذين غادرا مشروع الطبقة البرجوازية وانتميا إلى مشروع طبقة البروليتاريا، أو الطبقة العاملة؛ وهي بكل الأحوال، تتراجع عالمياً لصالح تزايد الأثرياء ثراءً والفقراء فقراً ولا سيما مع اعتماد السياسات الليبرالية كسياسة اقتصادية مسيطرة عالمياً، ويشار أن نسبتها في أوروبا تقلصت إلى ما دون 33 بالمئة، بينما في البلاد العربية أصبح السؤال في العقد الأخير: هل ما تزال موجودة.

الطبقة المهيمنة

يمكن اعتبار الطبقة التي سيطرت على الدولة العربية، منذ بداية السبعينات هي الطبقة الوسطى، فلم تستطع الطبقة الكبيرة حينها الاستمرار في السيطرة منذ بداية الستينات ولا استطاع الفقراء ولا سيما الفلاحين والعمال ذلك.

وهناك من يستبدل الوسطى بالصغيرة أو العكس، ولكن كثيراً من الدراسات تذهب نحو وجود شرائح متعددة في الطبقة الوسطى ذاتها، فهناك الكبيرة والدنيا والوسطى أيضاً؛ مع عقد السبعينات كانت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تقتضي القيام بمجموعة كبيرة من الإصلاحات داخل الطبقة الوسطى، ليستقيم الحكم لها.

وبالتالي مدّت هذه الطبقة صلاتها إلى الطبقة الكبيرة أو ما تبقى منها عبر السماح للقطاع الخاص بكل أشكاله بالاستمرار وباتفاقات اقتصادية لتخضيعها، وإلى الطبقة المستغَلة عبر الإصلاح الزراعي والتعليم والتوظيف الواسع، وتوسعت أجهزة الدولة والجيش والأمن؛ وقد استثمرت ذلك لإحكام سيطرتها الأمنية ولاحقاً عملت على الإفساد الواسع والنهب الشامل للدولة.

وهي بالأصل طبقة ضد التاريخ كما يشرح مهدي عامل في كتابه التناقض بشكل رئيسي، أي وصلت للحكم بعكس الميل الطبيعي للتاريخ؛ ففي التاريخ هناك طبقات رئيسية، وفي عصرنا الحالي، إما الطبقة البرجوازية الكبرى أو طبقة الفقراء، وهي من يُحدّد نمط الاقتصاد وشكل الحكم ومختلف أوجه الحياة، أما الوسطى فهي تستفيد من ضعف هذه الطبقات وتستولي على الحكم، وعادة يكون الأمر عبر الجيش وعبر شعارات “تداعب” الطبقات المفقرة، كما تمّ في مختلف الدول العربية، ولا سيما التي سميّت منها بالأنظمة التقدمية.

حركات الشباب تبدو معزولة عن القضايا التي تستقطب الطبقات الفقيرة، مع أنها طالبت بتغيير سلمي للسلطة، وهذا سرى في كافة الدول العربية، ربما باستثناء ليبيا جزئيا؛ وقد كان الشباب متأثرا بالانتقال الذي حدث في دول أوروبا الشرقية، و كان هذا من أكبر الأخطاء لتصبح النتائج كارثية

سنوات التدهور

كلما تركنا خلفنا السبعينات، كانت الطبقة المسيطرة على الدولة تنفصل تدريجياً عن الطبقة الفقيرة، وتندمج بالطبقة الكبيرة، أو تحل محلها أيضاً؛ سلوكها ذاك كان طبيعيّاً، ولكن ضعفها كطبقة، جعلها تستند إلى السلطة للإثراء وليس إلى الملكية، وإلى القمع لاحتجاز المجتمع ومنعه من المطالبة بحقوقه.

إذن وصولها للحكم، كان استبدالاً طبقياً عن الطبقة البرجوازية الكبيرة الفاقدة لقدرة الاستمرار فيه، وقد اقتضي ديمومتها فيه، إلغاء كل شكل للحريات العامة، وإحكام السيطرة المطلقة على العملية الاقتصادية، وبذلك كانت حركة السوق حركة مقيّدة بمشاريعها، وعبر رجال الأعمال الذين ينتمون إليها.

وبناء على ما سلف فقد كانت العملية السياسية مضبوطة بقوة القمع والعملية الاقتصادية مضبوطة برجال الأعمال، الذين يشكلون غطاءً للطبقة المسيطرة سياسياً، فهي تشارك في مختلف النشاطات الاقتصادية الأساسية في الدولة والمجتمع؛ وبالتالي لا توجد شركات مستقلة بذاتها، ومعظمها كانت تحت سيطرتها أو شريكة فيها بشكل كبير.

وَجدَ أفراد الطبقة الوسطى أنفسهم في دائرة ضيقة، وبشكل آلي راحت فئات منها تعلو مع الطبقة التي فتكت بالثروة عبر السلطة وعبر الفساد، فأصبحت فاسدة، وانتقلت إلى موقع طبقي آخر. ومنها وجد طريق الهجرة كمنفذ وحيد للحياة والتطور، ومنها من مارس المعارضة فاعتقل لعقد أو عقود متتالية، ومنها من انحدر إلى طبقة الفقراء، والنادر منها حافظ على استقلاليةٍ كانت تعرّضه في كل حين للمساءلة الأمنية.

هذه الوضعية رافقها الانتقال إلى السطحية في كل شيء وتسليع كل شيء، بما فيه الإنسان طبعاً، كما يردّد المفكر طيب تيزيني دون كلل وملل، وجلبت معها قيماً جديدةً، هي قيمة مساواة الإنسان بما يملك، فانهارت قيمة العلم والثقافة والسياسة والرصانة وحلّت مكانها قيم الارتزاق والتبعية والسلبية واللامبالاة، وتدريجياً، ومع تعميم السياسات الليبرالية بدءاً من التسعينات وبشكل رئيسي مع عام 2000، تصاعد السؤال عن وجود الطبقة الوسطى.

الانتقال إلى السطحية في كل شيء وتسليع كل شيء بما فيه الإنسان، يبدأ بصبغ الطبقة الوسطى مع الوقت، جالبا معه قيما جديدة، تتمثل بمساواة قيمة الإنسان بما يملك، لتنهار قيمة العلم والثقافة والسياسة والرصانة وتحل مكانها قيم الارتزاق والتبعية والسلبية واللامبالاة

ليظهر أن مسار انهيار الطبقة الوسطى يعود إلى بداية السبعينات في معظم الدول العربية، وفي هذا تتلاقى كافة الدول العربية، الملكية والجمهورية، ولا يغير الفارق العددي بين دولة وأخرى من ذلك. وقد اكتمل الانهيار مع بداية الثورات، والتي كانت بسبب ذلك ووصول الطبقات المفقرة إلى حافة الموت.

الانهيار ذاك، لا يعني أن هذه الطبقة تلاشت كليّة، بل تحولت إلى شرائح صغيرة في مختلف المهن، بما فيها النشاطات الفكرية والأدبية والعلمية. وبوصول الأوضاع العربية إلى حافة الانهيار تفجّرت الثورات العربية بدءاً بتونس، واجتاحت كافة الدول العربية، وبعضها سارع إلى تطويق التفجر عبر إصلاحات اقتصادية وسياسية جزئية، كما الحال في بعض دول الخليج مثلاً.

مع ذلك التفجر، برز دور الشباب والمثقفين والسياسيين من الطبقة الوسطى، فاندمجت هذه بالكتل في مختلف الدول العربية ولكن لتمثلها سياسياً وليس لتطرح مشروعاً جدّياً يمثل تلك الكتل، وبرز دور الشباب المسيّس والطامح للتغيير لأسباب تخصه وتخص المجتمع كذلك، ولكنه لم يستطع وضع اليد جيداً على الغليان الاجتماعي الواسع، وتوهّم إمكانية الانتقال السياسي السريع وأن الدولة العميقة أفلست كلية عن إدارة أزمتها، وبالتالي بقيت حركات الشباب معزولة عن القضايا التي تستقطب الطبقات الفقيرة، وطالبت بتغيير سلمي للسلطة، وهذا سرى في كافة الدولة العربية، ربما باستثناء ليبيا جزئياً؛ وقد كان الشباب متأثراً بالانتقال الذي حدث في دول أوروبا الشرقية، وهذا كان من أكبر الأخطاء وكانت النتائج كارثيةً.

اللعب بزمن الثورة

من المهم الانتباه إلى أن الطبقة الوسطى، ولنقل ما تبقى منها، لعب دوراً محورياً في الثورات العربية، ولكنه لم يع الشرط التاريخي للشعب حينها، ولا كيفية مواجهة السلطة، فاستطاعت الأخيرة تطويق هذا الحراك الاجتماعي العظيم، وربما النادر في تاريخ الشعوب، ودُفعت الثورات نحو حروب أهلية طائفية، أو تمت إعادة إنتاج النظام القديم، بوجوه قديمة وبوجوه جديدة.

مع تتالي الأشهر والسنوات بعمر الثورات، وتطوراتها اللاحقة، وجدت فئات الطبقة الوسطى، أن حساباتها لم تكن سليمة، وأن الواقع أكثر تعقيداً، وأن الصراع بدأ يفلت من يديها، فلا النظام كان مستعداً للتغيير ولا عن الوعي السياسي والنقابي مستعدة للانتظار طويلاً.

كثير من الدراسات ترى وجود شرائح متعددة في الطبقة الوسطى ذاتها، فهناك الكبيرة والدنيا والوسطى أيضا؛ فخلال العقود الأربعة الماضية كانت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تقتضي القيام بمجموعة كبيرة من الإصلاحات في الطبقة الوسطى، ليستقيم لها الحكم

المشكلة الكبرى، أن الطبقات الشعبية المهمشة والمبعدة لم تكن تعي حقوقها، ولا كيفية الحصول عليها، والشعارات التي رفعت عن العمل والكرامة، أو الحرية والعمل، أو الشعب يريد إسقاط النظام، أو الحرية دون شعارات أخرى، تبيّن أنّها في غاية البساطة، وليست بقادرة على حسم الصراع، فإن كانت قادرة على التحشيد الشعبي وسحر العقول نحو حاجاتها فعلاً، وتحرك كل الميول نحو التغيير، فإنها لم تكن قادرة على ضبط الصراع نحو سحق النظام وتشكيل الدولة الجديدة؛ يمكن التمعّن بتجربة اليمن أو سوريا أو مصر أو تونس، وسنجد فشل الفئات الوسطى في قيادة المعركة ضد الأنظمة.

طبعاً القوى السياسية اليسارية كانت مجموعات معزولة ومفككة وفي غاية الهامشية ورغم هول الثورات وعظمتها الاستثنائية بقيت تلك القوى غير قادرة على تمثيل الطبقات المفقرة وإبعاد الفئات الوسطى عن قيادة الثورة، وهذا كان سبباً مركزياً في دفع الثورات للانتقال إلى أحضان القوى الأصولية، والجهادية، والفئوية، وبالتالي لتنهار قيم الطبقة الوسطى نحو الحرية، وقيم الطبقة الفقيرة في تحسين الوضع العام، وطبعاً كانت مشاركة الطبقات الثرية في غاية الضعف، فالثورات تهدد مصالحها مباشرة، فلماذا ستثور أصلاً؟

الفئات الوسطى هذه، وجدت نفسها أمام خصمين لدودين، النظام الديكتاتوري من ناحية، والأصولية من ناحية أخرى، النظام حشد نفسه مجدداً وأعاد إنتاج أدواته الأمنية والعسكرية، واستولى على مؤسسات الدولة مجدداً، وساعده في ذلك استبداد الأصولية، والتي أرادت الاستيلاء على السلطة منفردة كما فعل الإخوان المسلمون في مصر حيث استبعدوا السلفيين، وبالتالي بدا مثقفو الطبقة الوسطى بل والطبقة ذاتها أمام واقع نابذ لها.

المثال الأبرز هو سوريا، حيث أُجبر المناضلون الأوائل في الثورة على الهجرة أو قتلوا بأيدي الجماعات التكفيرية الأصولية، وقبل ذلك عانوا حصاراً كاسحاً من الجماعات الأصولية القريبة من الإخوان المسلمين، أو الجماعات السلفية كذلك؛ هذا الوضع أجبرهم إما على الانضواء في صفوف السلفية أو الأصولية أو التصالح مع النظام مجدداً؛ هناك فئات قليلة قامت بذلك دون شك، ولكن الأغلبية قررت الهجرة، وإلا فإن مصيرها سيكون القتل حكماً.

إذن، لم يتمكن مثقفو الطبقة الوسطى من الانحياز للثورة الشعبية، وانحازوا لأفكارهم ومشاريعهم عن الديمقراطية والحرية، ولكن ذلك لم يكن لوحده همّ الشعب، الذي كان غارقاً في الإفقار ومفتقداً إلى تلبية كافة احتياجاته. ولم يكن وعيه سياسياً بل دينياً، كان يجب الانتقال إلى موقع الشعب، والعمل على برنامج للطبقات الفقيرة، ودفعها نحو الإطاحة بالأنظمة والوصول إلى السلطة وإحداث تغيير جذري في نمط الاقتصاد واعتماد الديمقراطية وإحداث تغييرات كبيرة في الدستور والقوانين.

لم يتمكن مثقفو الطبقة الوسطى من الانحياز للثورة الشعبية، وانحازوا لأفكارهم ومشاريعهم عن الديمقراطية والحرية، ولكن ذلك لم يكن لوحده همّ الشعب

كل ذلك لم يتم، وربما من المستحيل أن يتم بغياب قوى اليسار، وبوجود طبقة وسطى ساعية إلى مصالحها كما شرحناها. في هذه الوضعية، اكتسحت الأصولية والتكفيريون المشهد السياسي؛ واعتمدوا على فئات تفتقد لأيّ شكل من أشكال الوعي، فكان سهلاً دفعها نحو تكفير كل شيء، وسحق كل الناشطين الساعين نحو الحرية والعدالة الاجتماعية، أو العلمانية؛ هنا وجدت الطبقة الوسطى واليسار والعلمانيون أنفسهم أمام رعاع خالصين، ومندفعين باسم الله إلى حرق السماء والأرض، ومكمّلين بذلك ما تفعله الأنظمة من قتل ودمار واعتقال وحصار وإذلال. فعلوا كل ذلك، وبالتالي تعقّد المسار كثيراً، وأصبحت الحرب بمعناها الأهلي والطائفي والجهادي السائدة؛ فهذا حال ليبيا مثلاً، وحال سوريا بشكل أخف ولكن بشكل أعنف إن لم يتم الانتقال للحل السياسي أو تغيير النظام.

لن تموت الطبقة الوسطى ما دام النظام الرأسمالي باقٍ؛ ولكن حجمها قد يتضاعف أو يضمحل وفقاً للوضع العام لهذا النظام، فكلما كان بأزمة شديدة تقلص حجمها، وكلما خرجت من أزمتها تضاعف عددها مجدداً. وفي البلاد العربية يكون تقلصها بشكلٍ أكبر، لأن الطبقات المفقرة والوسطى ليست لها أيّ حقوق، بعكس أوروبا، فهناك حقوق مكتسبة للمواطنين، يصعب التراجع عنها، وفي حال تمّ ذلك فإن من حقوق المواطنين الدفاع عنها بمختلف السبل.

إذن لا يوجد حل آخر أمام الطبقة الوسطى، وهي تتدهور وتتراجع تباعاً، وهذا سيستمر ما دامت السياسات الليبرالية تشترط التراجع عن المكتسبات الاجتماعية وتحوّل كل شيء إلى سلعة، كالتعليم والصحة والمسكن وتقلص أجور المتقاعدين وترفع كل دعم عن الزراعة والصناعة، وبالتالي ليس أمامها حل آخر إلا الانهيار، أو الانتماء إلى الطبقات المفقرة، والسعي عبرها نحو تحقيق مصالح الكتلة الاجتماعية الأكبر ومصالحها كذلك.

الثورات العربية كانت بعمقها الرئيسي ثورات الطبقات المفقّرة، وكون الفئات الوسطى سيطرت عليها لا يغير في الأمر شيئاً ولكن ذلك كان وبالاً عليها وعلى المفقرين عموماً.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر