الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

أنثربولوجيا أدب الرحلات

قراءة أدب الرحلات ترتبط بفاعلية النقد وبالتعرّف على ثنائية 'الاختلاف والاعتراف'، بوصف أنّ هذا الأدب -أنثربولوجياً- لا ينفصل عن مرجعيات لها حساسية بوجود الإنسان.

العرب علي حسن الفواز [نُشر في 2017/09/24، العدد: 10761، ص(13)]

لوحة: جورج بيلوني

هل نكتفي بإخضاع أدبَ الرحلات إلى توصيفات “المروي عن الأمكنة؟” أمْ يمكن لهذا الأدب أنْ يكون جزءا من حفريات الأنثربولوجيا، وممّا تُتيحه تقانات البحث في الأرخنة، وفي سير الأمم والأقوام والثقافات؟

هذه الأسئلة تضعنا عند مستوى آخر من قراءة هذا الأدب، وعند مقاربة أكثر جدّة لتداوله كإجراءٍ أنثربولوجي، ليس للكشف عمّا هو غرائبي في عوالم تلك الرحلات، بل لوضع “بنية السفر” أمام فاعلية ما تستولده القراءة، بوصفها نسقا ثقافيا، وما يُتيحه تدوين المشاهدة، والتعرّف والمعايشة، عبر الكشف عمّا هو مُضمر، وعبر سردياتٍ تخصّ الوصف والتخيّل، والنظر إلى عادات وتقاليد وأنماط العيش والإصغاء إلى المحكيات الشفاهية ومقاربة العلاقات القرابية والاجتماعية للجماعات المقصودة بالرحلات، وعلى وفق التحديد الأجناسي لها.

يمكن القول بأنّ الأنثربولوجيا (تُستعمَل لتوضيح الأخطاء الشائعة في المفاهيم السائدة) كما يقول د. أحمد أبوزيد، أو أنّ توظيفها لأدب الرحلات في الحقول المعرفية، يهدف لتحليل الخطاب الغربي وكشف الطرائق التي سلكها الأوروبيّون في رؤيتهم وفي تصويرهم للأجناس الأخرى كما يرى إدوارد سعيد، وهذا ما يُكسبها أهمية في الدرس الثقافي وفي آليات إنضاج فاعليات الوعي بالتاريخ والحضارات، ورغم ضعف الدرس الأنثربولوجي عندنا.

إلّا أنّ أهميته كانت فاعلة في التعاطي مع أطروحات الاستشراق من جانب، ومع ما حملته أسفار الرحالة العرب والمسلمين إلى بلدان الغرب والشرق من جانب، إذ تمَّ التأكيد -من خلالهما- على ضرورة فهم هذا الأدب غير النمطي، ودوره في تيسير أُطر التفاعل مع ثقافات الشعوب، لا سيما بعد التعرّف على طبيعة الأهداف التي حملها كثيرٌ من أصحاب هذه الرحلات مثل ابن فضلان وابن جبير، والإدريسي وابن بطوطة وغيرهم.

ما يجري اليوم في الفضاء الثقافي العربي يُثير أسئلة حول تاريخية هذا الأدب، ويدفع إلى ضرورة إعادة قراءته، وتغيير زاوية النظر للسياق الذي يشتغل فيه

إنّ قراءة أدب الرحلات ترتبط -تحت هذا الوصف- بفاعلية النقد وبالتعرّف على ثنائية “الاختلاف والاعتراف”، بوصف أنّ هذا الأدب -أنثربولوجياً- لا ينفصل عن مرجعيات لها حساسية بوجود الإنسان وعلاقاته وبمرجعياته القرابية والأيديولوجية أو الدينية، أو حتى بتأثير القوة الاستعمارية التي أسهمت في تغيير عاداتٍ وقيمٍ وأنماطٍ، وكذلك في النظر إلى المختلف، أو في النظر إلى طبيعة التوصيفات الاجتماعية المعروفة، والتي تكرّست في ثنائيات “الشرق والغرب والأنا والآخر” بشكل خاص، لكن هذا النقد لا يعني تغييبَ “طاقة” المتعة والكشف والغرض، والذي يضع أدب الرحلات في سياق وصف الوقائع، مثلما يضعه في سياق نقدها، ونقد الثقافات المهينة، والخطاب الاستشراقي المتعالي وتناقضاته.

سرديات الرحالة

أدب الرحلات لم يتحوّل إلى جنسٍ أدبي واضح الملامح في ثقافتنا العربية لأنّ أغلب الرحّالة كانوا إمّا سياسيين أو فقهاء أو علماء وهذا ما يجعل هذا الأدب أقلّ تمثلا للتوصيف الأدبي وأكثر تمثّلا للتوصيفات الجغرافية والاجتماعية، وهو ما ينعكس على الطبيعة الأجناسية القارّة لمفهوم الأدب، وعلى ما يستدعيه من معطيات تدخل في سياق النظر إلى الثقافات، وإلى التنوّع والهويات وكتاتيب المعرفة والترجمة وعلاقتها بالثقافات المجاورة، وهذا ما لم تتمثّله أغلب الرحلات في التدوين وفي معاينة الأثر، فضلا عمّا تتيحه للرحّالة من مجالٍ لتقصّي الأحداث وكتابة الأخبار، والأوصاف والانطباعات، وأحسب أنّ مسافرا مدهشا مثل ابن بطوطة سوف لن يجد تلك الأمكنة/المدن التي زارها، ولا حتى الممرات الآمنة إليها، والصالحة لتدوين نصوص مشاهداته للظواهر الثقافية الفلسفية والمعرفية والأدبية، ولا حتى للتعاطي مع أنثربولوجية وصفية ناجزة لهويات الناس الذين مرّت بهم ركائبه.

أدب الرحلات كما تقول سردياته لم يندفع كثيرا للتعرّف على ذلك الأدبي والفلسفي، بل إنّ انحيازها كان أكثر نزوعا لمعاينة الظواهر العامة وأحيانا للتحقق من أحداث أو تواريخ معينة والتعرّف على أحوال الناس وشؤونهم وأغراضهم ومصالحهم وتنوّع ألسنتهم وعباداتهم وطقوسهم، فضلا عن طلب الحماية وإقامة الصلة بوصفها السياسي/الدبلوماسي أو الثقافي على طريقة أحمد بن فضلان مع شعوب وجماعات بلاد الخزر وبلاد الصقالبة والأسكندناف بتكليف من الخليفة العباسي المقتدر بالله.

ما يجري اليوم في الفضاء الثقافي العربي يُثير أسئلة حول تاريخية هذا الأدب، ويدفع إلى ضرورة إعادة قراءته، وتغيير زاوية النظر للسياق الذي يشتغل فيه، وحتى إلى تغيير طبيعيته وأجناسيته ليكون نوعا حقيقيا من الأدب على مستوى المشاهدة أو على مستوى تدوين أسفارٍ واقعية أو مُتخيّلة كما هو مُدوّن في شفاهيات ومثيولوجيات الشعوب.

إعادة النظر لا تعني إعادة قراءة تاريخ “الرحلات القديمة” وعلى وفق القراءات الثقافية المعاصرة، بل وضع توصيف دقيق لهذا الأدب ولأسفاره بالمعنى الجديد، وعبر ما هو متوفّر من رحلات تستخدم تقانات السفر الحديث والسريع بالطائرات أو القطارات تلك التي تضعنا أمام مفهوم مغاير للكتابة ولتدوين المشاهدة والتخيّل، وباتجاه ما يمكن تسميه كتابة “نص الأسفار السريعة” تلك التي ترسم أطرها، وتكتب نصوصها بوعي جديد، وعبر الجدّة في التعاطي مع صناعة الوثيقة بعيدا عن تعقيدات المدينة الجديدة، والتي لا تشبه مدن ابن بطوطة وابن فضلان، إذ هي مدن سياسية وسيادية ترسم خرائطها الجهات البلدية ويخضع زائروها إلى رقابة الجهات الأمنية خشية أنْ تكون الكتابة عن المدن وعن الجماعات والثقافات والعادات نوعا من العمل الجاسوسي أو تدوين معلومات ذات بعد جيوسياسي.

أدب الرحلات سيكون أمام رهان آخر، فيه من الواقعية الشيء الكثير، مثلما فيه الكثير من الحذر، إذ سيتعلق الأمر بتوصيف وظائفه وشروط عمله في البيئات والثقافات

الذهاب إلى مدن الشرق لم يعد مُباحا، أو سهلا، إذ تحولت هذه المدن إلى أماكن للعنف والاحتلال والحروب، وحدودها ومطاراتها تحولت إلى أمكنة تفتيشٍ وشُبهات، فيها كثير من الرقابة والتلصّص، وحتى السفر إلى مدن الغرب صار بلا طعم لأنّ المرء سيكون فيها مشكوكا بأمره وخاضعا للتفتيش والمتابعة وربما ستكون كتبه وأدوات سفره هي الأخرى في دائرة الشك أيضا، لأنها قد تُقرأ بوصفها منشورات إرهابية، أو بيانات للعنف والأيديولوجيا وللتعصب أو قد تؤوّل على وفق منطقة “الضرورة الأمنية”.

من هنا، فإنّ أدب الرحلات سيكون أمام رهان آخر، فيه من الواقعية الشيء الكثير، مثلما فيه الكثير من الحذر، إذ سيتعلق الأمر بتوصيف وظائفه وشروط عمله في البيئات والثقافات، وبخصوصيته الأجناسية في التعاطي مع أنثربولوجيا مغايرة، لا تقوم -فقط- على مشاهدة الوقائع وتدوين الأحداث والتعرّف على أسرار الطرق والأمكنة والمعابر، وما يعيشه الناس من يوميات وعلائق وحاجات ومصالح، بل تستدعي أيضا قراءات أخرى، وحفريات أخرى.

التغاير في هوية هذا الأدب سيضع المشتغلين به في سياق البحث عن رحلات أخرى، يمكن أنْ تكون رحلات وأسفارا وسيرا وجدانية، مثلما ستكون قصدية من خلال المشاركة في برامج ومشاريع استراتيجية تقوم بها مراكز خاصة بالدراسات الأنثربولوجية، والتي لا يمكن لها أنْ تعمل دون موافقات رسمية، وجود انخراطها في سفرات محمية من الجهات الأمنية والخضوع إلى رقابتها، فضلا عن أنْ المعطى الأنثربولوجي للرحلات فقد جزءا مهمّا من شروطه تلك التي تتعلق بدراسة عوالم الشعوب والتعرّف على المدن، والتجوال في جماعاتها، ومقاربة ثقافاتها، فكثير من هذه المدن فقدت وجودها التاريخي القديم، وأضحت مدنا مُلفّقة، وفاقدة لهويتها الحضرية والثقافية، مثلما أنّ الشعوب ذاتها لم تعد حافظة لنوعها اللغوي أو الهوياتي إذ صارت عوالمها خليطا من الثقافات المختلطة والقائمة على أساس التعايش والحقوق المدنية وليس العصابية كما كنّا نعرفه عند الشعوب القديمة.

هذا التغاير سيجعل من أدب الرحلات خاضعا لتوصيف آخر بعضه يرتبط بحاجات الدرس الأكاديمي، وهو ما نراه في العديد من الدراسات والرسائل والأطاريح، وحتى في ورشات العمل التي تنظّمها تلك الجهات، لإعادة النظر بثقافات التعرّف وبمناهجية الأنثربولوجيا في دراسة للشعوب والجماعات والإنسان، وبعضه يتعلق بما يُتاح من خلال تدوين المشاهدات في السفرات الشخصية والتي كثيرا ما تكون محدودة ومختصرة على أمكنة معينة وحتى محدودة الزمن المُتاح لكاتب هذه الرحلة أو تلك والتي بات أغلب أبطالها ورحّالتها أدباء وليس رجال سياسة أو دين.

شاعر وناقد من العراق

تنشر المقالة بالتعاون مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر