الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

موسم الأمطار عيد في الإمارات

  • للمطر في التراث العربي عامة والتراث الإماراتي خاصة مكانة هامة لندرة الغيث النافع فيها، فهطول المطر يبعث البهجة في النفوس، ويطهر القلوب ويطرد الجفاف والأمراض والتجهم، حتى أن الإماراتيين يفرحون وكأنه يوم العيد، فيغني الصغار والنساء أهازيجهم، ويبارك الرجال لبعضهم البعض قائلين “مبروك عليكم الرحمة”.

العرب  [نُشر في 2017/02/17، العدد: 10546، ص(20)]

الغيث النافع نبض التراث والأهازيج العذبة

أبوظبي - يحفل التراث الإماراتي بالعديد من الأمثال والقيم والعادات والتقاليد والأقوال والمرويات والأغاني والأهازيج الشعبية الموسمية، التي تقال وتؤدى على مدار العام في المناسبة التي تخصها ومنها ما يتعلق بالمطر وموسمه.

ويبقى المطر إرثا ثقافيا له مكانة خاصة في المجتمع الإماراتي قديما وحديثا، فطالما مثل جزءا أصيلا من التراث الشعبي لدولة الإمارات العربية المتحدة.

وبالرجوع إلى بعض تفاصيل التاريخ الاجتماعي والثقافي للإمارات، نكتشف قوة حضور المطر في المجتمع الإماراتي، حيث غدا رغم قلة سقوطه الآن عنوانا نادرا لفرحة الكبار والصغار معا.

ومع سقوط المطر تسود المجتمع حالة من التقارب والمودة والمحبة والوئام ليترسخ كمناسبة فرح وسعادة تجلو الحزن والنفور من قلوب البشر، بموازاة إروائه الإنسان والدواب والشجر وغسله الحجر، حتى أن هناك مقولة شعبية مفادها أن “المطر يغسل القلب والأرض”.

وينظر المجتمع إلى المطر كرمز للطهارة ويحث على التطهر والتبرك به، ومع تهاطل المطر في بداية موسمه “الوسمي”، يترقب الناس اخضرار البر ونمو نباتاته وظهور خيراته.

ويعتبر المطر في المخيلة الشعبية رمزا لأشياء كثيرة، فإذا نزل عند ولادة طفل استبشروا بهذا الطفل وظنوا به الفأل الحسن والخير وأنه سيكون ولدا صالحا وذا مال وفير أو ذا علم. حتى الأسماء ذكورا وإناثا حملت العديد من إيحاءات المطر مثل، مطر وغدير وغيث ورعد ومزنــة وديمة. ويرمـــز المطر إلى “النماء والحياة” عند الإماراتيين ماضيا وحاضرا، وأهل البادية قديما لا حياة لهم دون المطر، فهو لازمة الحياة والخصب.

إذا نزل المطر عند ولادة طفل استبشروا بهذا الطفل وظنوا به الفأل الحسن والخير وأنه سيكون ولدا صالحا وذا مال وفير أو ذا علم

وإذا ذكر الماء في الصحراء القاحلة ذكر المطر، وإذا ذكر المطر ذكر العشب والمرعى وذكرت الحياة ومضت القوافل عبر دروب الترحال إلى مكان الغيث.

وعندما يدور الحديث عن بدو الصحراء وحياتهم، لا بد من حضور هذا العنصر الحيوي من عناصر الحياة الذي ارتبط تاريخ البدو وحياتهم به، فالمطر منه شرابهم في المقيظ ومنه مرعى دوابهم في الربيع. ولم يمثل المطر للبدوي مجرد مصدر للشرب، بل كان مظهرا أكبر من هذا التصور الشكلي الذي يدور في أذهاننا فهو عنصر مهم من عناصر الحياة، وبهطوله تحيا الأرض الميتة وتخضر وينبت الكلأ وترعى الماشية حيث يوجد العشب والكلأ، أي أن مكان الحياة المفضل يصبح مرتبطا بوجود المرعى والكلأ الذي لم يتدخل البشر في زراعته، بل هو خير رباني تسبب فيه نزول المطر، فحيث يهطل المطر تنتقل الحياة وحول المراعي الغنية تستقر العائلات ويتقابل الأفراد وتجتمع القبائل فهو نبض المكان والإنسان.

ومن هذا المنطلق، يبني أهل البادية كل آمالهم على موسم المطر كما أن أهل الساحل لا تقل فرحتهم بالمطر عنهم.

وأهل الإمارات، بادية وحاضرة، كانوا ومازالوا يستعدون لموسم المطر ويفرحون بسقوطه، كما يغني الأطفال الأهازيج والأغاني أثناء هطوله ويتبادل الكبار التهاني بالغيث وتكثر المرويات والأمثال الدالة عليه. ويحضر المطر بصورة قوية في التراث الشعبي الإماراتي، وهو حضور غير عادي تم توظيفه في الحكاية الشعبية والأمثال والقصيدة العامية، ويأتي ذلك الحضور في أكثر من صورة.

المطر في العادات والمرويات

يشرح المواطن سالم بن سليم الكتبي من منطقة المدام بالشارقة حضور المطر في العادات والتقاليد الإماراتية قائلا “جرت العادة النظر إلى المطر على أنه دليل رحمة، لذا عند سقوطه يتبادل الجميع في الإمارات التهنئة بعبارة، ‘مبروك عليكم الرحمة’ وهي عبارة ترد دائما في بداية الحديث أو اللقاء بعد سقوط المطر في مثل هذه الفترة من السنة”.

ويردف قائلا “كانت ولا تزال لسقوط قطرات المطر فرحة عظيمة في نفوس أهل الإمارات، خاصة أن مواسمه قليلة، فهم يستبشرون عند هطول الأمطار بالخير والبركة والنماء، ولهذا يسمونه ‘الرحمة’، فيتساءلون عند اللقاء باللهجة المحلية، ‘كيف أنتم والرحمة؟’.. فيأتي الرد سريعا مستبشرين برحمة الله تعالى، ‘رحمة الله بادة’.. أي أن الغيث قد نزل عندهم أيضا”.

ويضيف الكتبي “مع بشائر قدوم الشتاء، إذا مرت سحابة داكنة منخفضة على منطقة معينة وصحبها مطر غزير وربما لا يصل مطرها إلى منطقة تجاورها، يقولون في ذلك، ‘المطر متفرق’، فما تمر فوقه تلك الغيوم يصيبه الغيث وما لا تمر عليه يظل بلا مطر ويأتيه نصيبه في مرات لاحقة قائلين ‘الخير جاي’، أي المطر قادم بإذن الله، فهم دائما يحدوهم الأمل بأنهم سيحصلون على نصيبهم حتى لو تأخر سقوط المطر لبعض الوقت”.

وتابع “أذكر عبارات جميلة مستبشرة بنزول الغيث كان أهل الإمارات يرددونها عندما تكون السماء ملبدة بالغيوم منها الغيم يحوم والرب رحوم”.

الغيم يحوم والرب رحوم

ويواصل سالم الكتبي “تعلمنا ونحن صغار عندما كنا نرى الغيوم ونتوقع نزول الغيث أن نردد هذا الدعاء باستمرار، ‘اللهم ارزقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين’.. وتكون فرحتنا كبيرة عندما ينزل الغيث بعد ترديدنا لهذا الدعاء”.

ويضيف “الرذاذ الخفيف الذي يبلل وجه الأرض تسميه العامة ‘النفاف’، فإذا زاد على ذلك فهو ‘رشاش أو مطشش’، أي رشات ناعمة من المطر، وقد يشتد المطر فيكون مصحوبا بالبرق والرعد، وتسميه العامة في هذه الحالة ‘يود’، أما المطر المصحوب بالبرد والهواء فيسمى ‘طهف’.. وإذا تواصل سقوط المطر الخفيف لأكثر من أسبوع يسمى ‘خومة’، وقالوا في ذلك ‘ربطت الخومة بالجمعة ولا تنفك إلا بالجمعة القادمة’ ومطرها مستمر”.

هناك الكثير من الأغاني والأهازيج الشعبية التي أفرزها المطر منذ القدم، وكان يؤديها أبناء الإمارات في تلك المناسبة، وترسخت في المجتمع، بل وارتبطت بعاداته وتقاليده، وبقيت متأصلة ومتجذرة فيه حتى يومنا هذا ولا يكاد يستغني عنها.

وأفرد التراث الشعبي مساحة كبيرة لأهازيج وأغاني المطر والتي دأب الأطفال والنساء وحتى كبار السن على التغني بها عند نزوله، أو عند انحباسه وتأخر سقوطه.

ويقول خلفان محمد الغفلي من عجمان “كانت للأطفال فرحتهم الخاصة بالمطر، حيث يخرجون من منازلهم بعد توقف المطر مباشرة، ويلعبون ويلهون بالماء ويخوضون فيه، وعادة ما يرددون بعض الأهازيج التي تعبر عن فرحهم وسرورهم به، ونتذكر هذه الأهازيج البسيطة العفوية والتي كان منها ‘حمامة نودي نودي.. حمامة نودي نودي سلمي على سعودي.. سعودي راح مكة إيجيب ثوب العكة.. ويحطه في صندوقي'”.

ويشكل هطول المطر حيزا غير عادي في الموروث الشعبي الإماراتي، حيث نجد سيلا من الأغاني والأهازيج والأقوال والأمثال تعبر عن سقوطه، وهي مجتمعة تعكس شكل وملامح حياة الإماراتيين في فصل الشتاء.

ومع اقتراب موسم الشتاء وحدوث التقلبات المناخية وسقوط المطر، يتبادل الناس الكثير من العبارات الموروثة والأمثال الشعبية التي تعبر عن الفرحة والسرور بنزول المطر، فنسمع تفاصيل وعبارات جديدة تدخل في حياة الإماراتيين تتناسب مع الفصل أو مناسبة سقوط الغيث.

الأمثال الشعبية

مثلما تغنت الأهازيج الشعبية الإماراتية بالمطر، كان للأمثال الشعبية نصيب لا بأس به من التعبير عن لغة السماء والطقس والمطر.

وأتت أمثال المطر إما مستقلة به كظاهرة وإما كمطر تصاحبه العديد من الأعمال المهنية أو يتضمن قيما اجتماعية وأحوالا سائدة. وعبرت الأمثال عن الحس الشعبي للموقف اليومي للإنسان الإماراتي وارتباطه بالطبيعة وبما حولها وما يأمله من الغد والمستقبل.

تقول المواطنة عفراء بنت مبارك الكتبي “من تلك الأمثال ما يلي ‘من أحبه الله سقاه'”. وتواصل سرد الأمثال والتي منها “غريق الماء ولا غريق الظمأ”، وهذا المثل له طابع المفاضلة للتخيير بين أمرين صعبين وبطبيعة الحال يتمنى أهون الأمرين.

وتضيف “اسكن على الماي ولا تسأل عن الرزق”، هذا المثل يعني أن الذي يقيم بالقرب من الماء رزقه متاح وسهل إذ حيث يوجد الماء يوجد الطعام بوفرة.

المطر يغسل القلب والأرض

وتواصل سرد الأمثال منها “ما دام السيل يسكب الحصى رطب”، أي طالما المطر يسقط تظل الأرض وما عليها من الحصى طرية رطبة.

وتقول الكتبي “من الأمثال التي ذكرت عن المطر ‘مطر ما يبلك ما يهمك’، أي أن سقوط المطر في منطقة بعيدة لا يستفيد منه سكان المناطق الأخرى الأفضل ألا يفكروا فيه”.

وتطرقت الكتبي إلى الأمثال الأخرى عن الماء والمطر قائلة “شل الماء لين الماء”، و”اللال ما يروي العطشان” واللال هو السراب.. و”المطر قطرة على قطرة يظول غدير”.. وهذا المثل يقال دائما عندما تنصح الأمهات أبناءهن عند تبرمهم من أي شيء قليل فنجدهن يقلن هذا المثل، وهو يدل على أن الخير الكثير يأتي من الشيء القليل الذي نراه أحيانا بسيطا.

وتقول “حد يرهن مزرابه وقت السيل”، هذا المثل جاء مرشدا وحافزا للإنسان على عدم التفريط في الأشياء التي تعتبر ضرورية له خاصة في وقت الحاجة إليها.

وتضيف عفراء قائلة “هناك الكثير من الأمثال وهي تنظم علاقة الفرد بالآخرين في المجتمع أو في البيئة التي حوله وتساعده على أداء دوره الاجتماعي بطريقة أفضل وهي كالتالي ‘حمامة بالنها السيل’، و’لاحقتنه رشت السيل’، و’شالنها السيل وتصيح بالعطش’، و’إن شفت سهيل ضم عمرك يا قليل الحيل’ و’الثريا تغيب على غدير وتظهر على جفير'”.

ويبقى موسم المطر في الإمارات إرثا ثقافيا حيا يحركه غنى المحتوى والفرحة بأمطار الخير وعذوبة الصوت وحضوره قوي في الثقافة الشعبية الإماراتية، وهو حضور غير عادي تم توظيفه في الحكايات الشعبية والأهازيج والأمثال والقصيدة الشعرية النبطية، فمن يقرأ للشعراء في الإمارات قديما وحاضرا سوف يجد كما كبيرا من تلك القصائد قيلت في المطر، مما يتوجب على الباحثين إفراد مساحات أكبر لدراسته.

ومسؤولية الحفاظ على هذا الإرث الثقافي والمخزون الشعبي من الأهازيج والمرويات والأمثال كبيرة جدا ليست عبر جمعها ونشرها فقط، بل عبر تداولها وإحيائها لتنتقل من الأجداد إلى الأجيال القادمة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر