السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

'آركاديا' أحلام الخلود الافتراضي تتحطم فوق كوكب متخيل

  • من الحلم والتمنّي تنطلق الشخصية الدرامية إلى المجهول، علّها تجد فيه ضالتها وتؤسس لنفسها وجودا إنسانيا مختلفا وعميقا، لكنها ستكون بكل تأكيد في مواجهة قدرها أو في الأقل في مواجهة قوة أو قوى صراع مقابلة، سرعان ما ستشعل فتيل أزمة عميقة قوامها ذلك التزاحم من أجل الظفر والنجاح والخلاص من المأزق، وهو ما يقدمه فيلم الخيال العلمي “آركاديا” لمخرجه توم لارج.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2017/01/23، العدد: 10521، ص(16)]

صراع وجود

تشتغل أفلام الخيال العلمي بشكل مستمر على ثيمة الصراع مع المجهول، والزج بالشخصية المحورية في مواجهة قدرها وخوض صراعاتها، وإن بدت تلك الصراعات بأشكال وتوجّهات شتى، إلا أنها تلتقي عند بؤرة الوجود الأرضي وما يتهدّد الشخصية الرئيسية في رحلتها إلى المجهول، وفق هذه الرؤية تنطلق مغامرة الشخصية الدرامية الأساسية في فيلم “أركاديا” (إنتاج 2016) للمخرج البريطاني الشاب توم لارج (مواليد 1985)، وهو فيلمه الرابع بعد أفلامه “السفر الفخ” (إنتاج 2010) و”جريح” (إنتاج 2011) و”خلف” (إنتاج 2014).

الشخصية هنا تعيش في وسط مجتمع سبق وأن وصفه بدقة الكاتب البريطاني جورج أورويل في روايته ذائعة الصيت “1984”؛ مجتمع منقسم إلى فئتين تتحّكم به سلطة واحدة توتاليتارية هي سلطة الأخ الأكبر في الحالتين، العالم يكون قد وصل إلى مرتبة عليا من التطور في مجال التكنولوجيا الرقمية، الطيف الصوري يحيط بالشخصيات، لكن وحده “شارلي” (الممثل مارك بايليس) من يقع عليه عبء الخلاص من مجتمع الفقراء إلى مجتمع الأثرياء.

مملكة “آركاديا” هي الحلم وهي غاية الجميع للخلاص من المرض والموت، المكان المخصص للأثرياء فقط بعد الفناء الأرضي، تموت زوجة شارلي بين يديه، وهو لا يريد أن يمرّ هو أو ابنته بذات المصير.

في المجتمع الأرضي يكون الموت مبكرا، لا تتعدى أعمار الناس الأربعين بينما في “آركاديا” يتمدد العمر إلى ما فوق المئة.

“آركاديا” هي محور المتخيّل السردي لا نستطيع أن نتبيّنها على الشاشة بالتفصيل، ولهذا ستنعش ذلك المتخيّل، فلا تفاصيل تُذكر عن تلك الحياة السرمديّة العجيبة، لكنّ خطوط السّرد لا تكاد تتعدّاها، ابتداء من مشاهد الاستذكار، شارلي يصرخ على الشاطئ وسط العاصفة، ثم مشاهد الاسترجاع الصوري والصوتي للحوار المفعم بالعمق الإنساني الذي كان يدور مع زوجته، حتى يصبح شارلي وحياته نقطة افتراق، ينفذ أوامر مؤسسة حكومية تشبه الاستخبارات في القبض على من يتهدد نظام كوكب “آركاديا”.

في المجتمع الأرضي يكون الموت مبكرا، لا تتعدى أعمار الناس الأربعين، بينما في "آركاديا" يتمدد العمر إلى ما فوق المئة.

يولد هنا ما يشبه التيار اليساري المنادي بالحق في العلاج للأثرياء كما الفقراء، يعرض المخرج ما يشبه شخصية أنونيموس التي شاهدناها إبّان احتجاجات العولمة.

المتخيّل السردي تلتحم من أجله قوة الصورة وبناها التعبيرية في توظيف متقن للمونتاج والسينوغرافيا والحوار، وكلها عناصر حيّدت الكثير من الضعف البيّن في الإنتاج الفني وفي الشكل باعتبار أن الفيلم ينتمي إلى ذلك النوع من الأفلام قليلة التكلفة.

هنالك مسار افتراضي بالطبع، جعل الشخصيات تحوم حول مكان افتراضي ومثالي، “يوتوبيا” مكتملة ومزدهرة يُسمَع عنها في مقابل عالم “ديستوبي” تعصف به الأمراض، والحياة فيه مهددة بالموت المجاني، ولهذا لا بد من الهروب من أسر تلك الوقائع، ذلك هو توصيف المكان الواقعي.

المكان الواقعي في مقابل الافتراضي والحلمي كانا أرضية لمتخيل سردي أعمق زاد من متعة المشاهدة وملاحقة الأحداث بتجرّد كامل، من دون التعاطف مع شارلي أو إدانته بسبب تقمصه دور المرتزق عديم الضمير، وخاصة ساعة أن ينعطف السرد باتجاه تذكيرنا أنه يحمل مهمّة إنسانية نبيلة، فهو المفجوع بفقد الزوجة وهو الذي يريد إنقاذ الابنة.

يمضي شارلي أوقاته حارسا للشخص المطلوب من أجهزة الدولة “أدام بلاك” (الممثل جوزيف بيكر)، وهو هنا ظاهرة أكثر من كونه شخصية محددة، هو صوت معارضين كثر للنظام الذي يدافع عنه شارلي، فيما هؤلاء وفي طليعتهم أدام، هم المتمردون على ذلك النظام.

هنالك الكثير من العفوية وما يشبه المبادرة الفردية التي أراد المخرج من خلالها إقناعنا بصدق شخصياته وتعمّقها في تلك المسارات السردية المتشابكة، لكنها مبادرات فردية سرعان ما كانت تصطدم مع واقع “ديستوبي” كل شيء فيه محطّم، حتى الأحلام البسيطة في التماس حياة افتراضية أخرى في كوكب “آركاديا” الذي بقي فكرة عظيمة في مقابل حلم محطم.

على صعيد الصورة بوصفها نواة سردية ضمن بناء المشهد ككل تلفت النظر العناية بالكادرات المتوسطة والقريبة، مع منح الصوت والحوار أبعادا تكميلية لتلك الصورة المشحونة بالتأثير، وكل ذلك احتشد للمضي برحلة لا خيارات بديلة عنها باتجاه “اليوتوبيا” التي تحشد “الميديا” وأدوات صراع شتى وخلط أوراق وأكاذيب ومراكز قوى ومصالح من أجل المزيد من التصعيد الدرامي، والمضي بالمتخيّل السردي إلى نهاياته، حتى ولو لم يحقق أيا من أحلام شارلي المحطّمة في بحثه عن سر الخلود الافتراضي الذي تنطوي عليه مملكة “آركاديا” الحلم.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر