الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

وجوه عصر مبارك.. وجوه ما بعد يناير

تآمر الجميع على وجوه الثورة تشويها وسجنا، فلم يبق للعائد من الغيبوبة إلا وجوه النظام القديم، في الحكم والمعارضة التي لم تعد معارضة، فإذا لم يكن وجودهم دليلا على فشل الثورة، فماذا يكون؟

العرب سعد القرش [نُشر في 2017/01/24، العدد: 10522، ص(9)]

في مقر وزارة الثقافة بالقاهرة، بعد إعلان الاعتصام المفتوح ظهر الأربعاء، 5 يونيو 2013، بدأ اجتماع بحضور مثقفين وفنانين أغلبهم تجاوز السبعين. حيرنا النجاح السهل للاعتصام، فكان لا بد من اجتماع عقب بيان قصير كتبتُه، وقرأته سهير المرشدي في أقل من دقيقة. في الاجتماع رأى البعض أن نرشح وزيرا للثقافة، وقال أحدهم: بهاء طاهر. وكان بهاء قد غادر الوزارة قبل الاجتماع وأوصلته حنان مطاوع إلى الشارع وعادت. واقترح جلال الشرقاوي (79 عاما آنذاك) اسم جابر عصفور، ورفضت الاقتراح ورفضه غيري، فقال الشرقاوي: الأستاذ محمد صابر عرب، وعلت الوجوه دهشة؛ فكلاهما لا يعبر عن الثورة، عصفور آخر وزير للثقافة في نهاية حكم حسني مبارك، وصابر عرب كان وزيرا في إدارة المجلس العسكري، واستمر مع الإخوان حتى مايو 2013.

ليس لعصفور ولا لعرب موقف نقدي تجاه أي سلطة، لم تكن دكتاتورية حسني مبارك أو معمر القذافي تخفى على عصفور. أما عرب فبدأ كلمته، في إفطار رمضاني لاتحاد الناشرين الذي كان يديره ناشرون إخوان (أغسطس 2012)، قائلا “أحييكم بتحية الإسلام، السلام عليكم ورحمة الله”، على غير عادته، ومن الغرائب حصوله في 30 يونيو 2012 على جائزة الدولة التقديرية. لا حرج في نيلها، ولكن هناك عرفا أخلاقيا يحظر على القيادات الوظيفية في الوزارة الترشح للجائزة، لا يوجد قانون للمنع إلا الخجل وتفادي الشبهات. وقد رشح عرب للجائزة وهو رئيس مجلس إدارة دار الكتب والوثائق القومية، وقبل التصويت على الجائزة بيومين قدم استقالته من حكومة شبه مستقيلة، حكومة تسيير الأعمال برئاسة كمال الجنزوري، ثم أعاد الإخوان توزير عرب بعد الجائزة وعلى الرغم منها.

ما الذي جعلني أبدأ بعصفور وعرب؟ لعله لا وعي جلال الشرقاوي، وربما أوهامنا بأن ثورة مرت من هنا، أما الشرقاوي فكان أكثر واقعية، وأثبتت الأيام صدق نبوءته، فعقب عاصفة 30 يونيو 2013، عاد الرجلان إلى وزارة الثقافة، مع تغيير في الترتيب، عرب ثم عصفور.

تنجح ثورة فتجذب وجوها يشبهونها. في عام 1952 كان اللواء محمد نجيب (51 عاما) يمثل جيل كبار السن، أما عقل الثورة فيمثله ضباط شبان في منتصف الثلاثينات، واستراح جيل الشيوخ، ومعهم فائض الحكمة، بالاختيار الذكي غالبا، إذ رأوا عربة الثورة أسرع من قدرتهم على التفكير أو الإنجاز. واختارت الثورة شبانا يشبهون المهندس عزيز صدقي (36 عاما) أول وزير مصري للصناعة، وقد شيد أكبر القلاع الصناعية في تاريخ مصر، ولم تستطع سنوات نزيف الخصخصة برعاية مبارك بيع كل تركة تلك النهضة الصناعية. وفي الفنون والآداب والصحافة صعد نجوم تؤهلهم مواهبهم، وتوارت مواهب “سابقة” ينتسب أصحابها إلى العهد السابق، بالمعنى العُمري لا الأيديولوجي. هل كان يمكن تخيّل أن يكتب شاب عمره 26 عاما، اسمه صلاح جاهين، النشيد القومي لمصر “والله زمان يا سلاحي”، وتغنيه أم كلثوم؟ إلا إذا كانت مصر قد شهدت “ثورة” تسعى.

لنفترض أن مواطنا دخل في غيبوبة مساء “جمعة الغضب”، ثم أفاق الآن، فماذا يرى؟

سيقول إن مبارك تمكن من السيطرة على المظاهرات، وتكفيه رؤية وجوه ذلك العهد، سياسيي مبارك وصحافييه ومثقّفيه (بتشديد القاف مع الفتح والكسر). سيطل عليه من الصحف والشاشات: مصطفى الفقي، علي الدين هلال، فاروق حسني، مفيد شهاب، حسام بدراوي، السيد يسين، فوزي فهمي، عبدالمعطي حجازي، جهاد عودة، صلاح فضل، مرسي عطاالله، مكرم محمد أحمد، وصلاح منتصر، عمرو عبدالسميع، أسامة الغزالي حرب، عبدالمنعم سعيد، يوسف القعيد، يوسف زيدان، وكثيرون ممن تربصوا واختبؤوا حينما كان الصمت خطيئة، ولم يجرؤ أي منهم على كتابة كلمة حق لوجه الثورة، في التوقيت الصحيح، انتظارا لرؤية اتجاه الريح، فإذا انطفأ نور الثورة سارعوا إلى “مديح الاستقرار”، وإذا ذهب مبارك كتبوا “فقه الثورة”.

لو نجحت الثورة لأزاحت الوجوه السابقة ومعها معارضة فقدت الرشد وانتقلت إليها أمراض السلطة قبل أن تمارسها. لا أنسى خطيئة المشتاقين إلى الحكم ممثلي اليسار، حمدين صباحي، أبوالعز الحريري، هشام البسطويسي، خالد علي، وكيف رفضوا الاتفاق على اختيار أحدهم مرشحا لانتخابات الرئاسة، ثم اعترض بعضهم على الديمقراطية التي جاءت بأحمد شفيق ومحمد مرسي. الأربعة يمثلون معارضة أصابها التشوه، وكانت الانتخابات البرلمانية عام 2012 اختبارا فشل فيه ناصريون (صباحي وكمال أبوعيطة) وضعوا أيديهم في أيدي الإخوان الذين يكفرّون جمال عبدالناصر، فجلب المنافع بالتحالف مع القوة الصاعدة مقدم على تراث الزعيم.

من المساخر أن يرى البعض في أحمد شفيق منقذا، هو نفسه يصدق، دون أن يمارس العمل السياسي إلا عصر يوم القيامة، حين اختاره مبارك رئيسا للوزراء بعد جمعة الغضب، وحظي بمقال واحد كتبه أنور الهواري. كان الهواري رئيسا لتحرير صحيفة حزب الوفد، ويدبج النقد الإنشائي لمبارك وابنه، فهما “فرعونان في وقت واحد!”، يحدثان ازدواجية في قمة الحكم لا سابقة لها في التاريخ المصري، (29 سبتمبر 2006)، ثم أصبح رئيسا لتحرير مجلة “الأهرام الاقتصادي” الحكومية وكاتب عمود يومي في صحيفة “الأهرام المسائي” مخصص لإطلاق الرصاص على أعداء مبارك وابنه جمال الذي صار “عنده قلب، عنده عقل، عنده أعصاب. هذه هي خصائص القيادة عند جمال مبارك. عاطفة وطنية، تلهب حماسه، للاندفاع نحو أعقد القضايا وأصعب المشكلات، عاطفة حب تربطه ببلده، بجذوره، بزمنه، بأهله، بناسه، بأحلامهم، بطموحاتهم، بمطالبهم، برغباتهم في التغيير، بأشواقهم نحو الأفضل. عقل واسع، مطلع، لديه هندسة غريزية، يدرس بها القضايا… طاقة عقلية تستوعب التفاصيل، صافية لا يلحقها تشويش ولا تعكير، لا تختلط عليه القضايا، لا ترتبك أمامه جذور المسائل، لديه قدرة فائقة على تتبع الأزمات من نشأتها، إلى تطورها وتفاعلها، ولديه قدرة مماثلة على إدارتها سعيا نحو حلها، تزدحم القضايا في الواقع وفي الملفات وفي الساحات العامة، ولكنها لا تزدحم في عقله… قوة الاستقامة الأخلاقية والأمانة في تحمل المسؤوليات العامة”. (30 أبريل 2010). وفي اليوم التالي لتعيين شفيق رئيسا للوزراء كتب الهواري أنه “فريق في العمل، مدرسة في الإدارة، مذهب في القيادة، رؤية طائرة في عنان السماء، ترى الواقع وتطل عليه من كل الزوايا”.

كيف يستقيم لمن يدعي الانتماء للثورة خيانة عقله، وقناعاته بأن تنظيما يرفض الاعتراف بالحقوق الكاملة للمرأة ولغير المسلمين قد آمن فجأة بحقوق المواطنة؟ ولكن الإخوان افتتحوا في مايو 2011 المقر الجديد للتنظيم في القاهرة، رغم تأسيس حزب سياسي، ورغم عدم ضبطهم بممارسة دعوة المسلمين إلى الإسلام. وخوفا وطمعا ذهب للتهنئة كل من صباحي وعمرو موسى وجورج إسحق ورفعت السعيد.

تآمر الجميع على وجوه الثورة تشويها أو سجنا، فلم يبق للعائد من الغيبوبة إلا وجوه النظام القديم، في الحكم أو في المعارضة التي لم تعد معارضة، فإذا لم يكن وجودهم دليلا على فشل الثـورة، فماذا يكون؟

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر