الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

ثرثرة رأسمالية عند بوابة كافتيريا واشنطن

في شعبوية دونالد ترامب وصعوده الانتخابي ثم فوزه، ما يوحي بشيء من لغة ميخائيل غورباتشوف في إعادة البناء والشفافية وما تلاهما من تفتيت الاتحاد السوفيتي.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2017/01/25، العدد: 10523، ص(9)]

الإخراج الهوليوودي لحفل تنصيب الرئيس الأميركي الـ45 كلف 200 مليون دولار، نصف المبلغ ذهب إلى الإجراءات الاحترازية، وهي مخاوف مشروعة وعمل وقائي لمجابهة مخاطر الإرهاب المنتشر كالرذاذ في الهاجس الأمني قبل وقائع المعلومات والمراقبة، وما تجود به أجهزة الاستخبارات.

دبلوماسية المراسم والموسيقى والتنظيم والكلمات والقسم ورسالة الجندي التي تتحدث عن حبه لبلاده الذي يشبه الرياح العاتية في ساحة القتال، وكلمات مؤثرة قادمة من تاريخ المعركة بين الشمال والجنوب في العام 1861 وفي مقدمتها دلالة عن الحركة والشجاعة اللتين لن تتوقفا حتى تنتصر الحكومة وتتوحد أميركا؛ ومع كل ذلك وبحضور الشخصيات الفاعلة في التاريخ الأميركي القريب ومنهم الرؤساء السابقون لم تمنع دونالد ترامب من نقد السياسات السابقة بسياط شعاره الانتخابي، ومضمونه سنجعل من أميركا دولة عظمى مرة ثانية، حتى كأنه انهال عليهم بسوط منجزات نهاية فترته الرئاسية وليست بدايتها.

مقولته إن أميركا ستبدأ بالفوز من جديد، وأنها ستستعيد الوظائف والثروات والحدود ومعها الأحلام وستبني الجسور والقطارات والمطارات، وأضاف أننا سنبتعد عن دولة الرفاه الاجتماعي إلى دولة العمل، وسنضيء ليتبعنا الجميع بولاء كامل لأميركا.

في ذات الوقت، كان الانتقال السلس للسلطة ينقصه الآلاف من المتظاهرين المناوئين بأزيائهم الجماعية وهراواتهم وتحطيمهم لواجهات المحلات، وتبعها في اليوم التالي خروج وزير خارجية أميركا السابق جون كيري ضمن حشود المتظاهرين مع كلبيه المدللين وفي ذلك خروج عن المألوف، ورغم امتعاض ترامب من الإعلام الأميركي بشكل عام وما عبر عنه البيت الأبيض كإشارات لمحاولة إحراج الرئيس الجديد وإسقاط مشروعية الانتخابات وفوزه بها، إلا أن الرئيس بادر في ما بعد إلى اعتبار التظاهر صورة من صور الديمقراطية التي تتمتع بها أميركا.

عندما تحدث ترامب عن العمال توقعت وأنا أستمع إليه أنه سيلجأ إلى نقد الاستغلال ويفيض في الإنتاج والقيمة على حساب ملكية وسائل الإنتاج ليردها إلى الصراع الطبقي، لكنه ترك وميضا هائلا في كلمته عن إصلاح البنية التحتية لأميركا التي تركت الملايين من الأميركيين دون عمل، ثم عاد ليبرق للطبقة الوسطى ببرقية أمنيات لتستعيد مكانتها في المجتمع الأميركي بما يؤدي إلى الرخاء تحت قوانين الحماية والرعاية.

حماسة ترامب لعدم إضاعة الوقت منذ يومه الأول لتسلمه السلطة بتنفيذ وعوده الانتخابية هل هي حماسة رد الفعل تجاه مناوئيه في الحزب الديمقراطي الذين تخلف منهم 66 عضوا من مجلس النواب عن حفل التنصيب، أم أنها مرحلة جديدة لحاكم وعائه الفكري مبني على أساس اقتصاد السوق ومعرفة كبيرة بأسراره وبتجربة ثرية لانتقالات مراكز العمالة بسبب رخصها مع نسب ضرائب منخفضة إلى شبه القارة الهندية ودول شرق آسيا، بما يمنع تشغيل الأيدي العاملة الأميركية، وبوجود قوانين التجارة الحرة يعاد طرح المنتجات في الأسواق الأميركية كمنتجات مستوردة.

هذا الفهم الاقتصادي لشخصية الملياردير الشعبوي يطرح نموذجا لحاكم يتعامل دون استرخاء لتنفيذ ما كان يراه سابقا عثرات في السياسة الاقتصادية لبلاده، ومؤكد أنه عانى منها وكان ينتقدها في أدائه ويضع لها البدائل الخاصة لتجاوزها في أعماله التجارية المتنوعة.

الكثير من الدول تضع السياسة قبل الاقتصاد. ترامب سيقلب هذه المعادلة ويجعل الاقتصاد والربح شبه المضمون قاعدة عريضة لسياساته، وهو كما نتوقع سوف لن يهدأ أو يتراجع عن برامجه الموضوعة سلفا والتي يظنها الكثيرون بلا تخطيط أو فريق عمل متخصص، توقيعات بدأت منذ يومه الأول على إجراءات وقرارات اقتصادية خطيرة تتعلق بالاتفاقيات الكبرى العابرة للمحيطات، يسخر منها المراقبون الديمقراطيون وينتظرون تمريرها في الكونغرس لتتوقف هناك رغم أغلبية الجمهوريين.

ما سيحصل أن ترامب سيجعل من المواطن الأميركي هدفه الأول ليوصل له أن سياسة الكافتيريات انتهى زمن أحاديثها الفارغة وحان وقت العمل، وهي رسالة سبق أن وجهها إلى مجلس الأمن الكسول والمتراخي وبما تسبب به من ضياع فرص كبيرة لحل المشكلات العالقة في أروقته وفي أروقة العالم، وترك العربة تنحدر من السفح دون فرامل إلا بوضع عصي بعض الدول التي تجرأت على ملء الفراغات كما يجري في منطقتنا. ولا ننسى إسهاب السيناتور جون ماكين في وصف السياسة الأميركية الخارجية، وما يتعلق منها بالمحادثات بين وزيري خارجية أميركا وروسيا حول الشأن السوري، وكلماته اللاذعة عن خدمة الفنادق والسياحة؛ هناك ما يتكون في الأفق الأميركي شيء من الفخر القومي والتحدي والتباهي أيضا بفرادة الحاكم الجديد الذي يقول عن يوم تنصيبه إنه يوم سيتذكره الأميركيون على مر التاريخ.

ترامب يصل إلى البيت الأبيض وهو الرئيس الأقل شعبية في الاستطلاعات، ويواجه أكبر التحديات، لكنه يتكئ بكلماته على قدرته على التشخيص الدقيق لمشكلات مجتمعه الذي يعاني من الجريمة والمخدرات وتراجع في التعليم ونوعية المدارس وقلة الوظائف وأزمة المشردين وإدانة صارمة لتوقف بعض المصانع عن العمل.

أمام هذا السيل يريد أن ينهض بالمعنويات، وحديثنا دائما عن أميركا، وكأنه يضعها في خانة دول العالم الثالث ويعطينا تصورا يبتعد عن المخيلة التي صنعتها أرض الفرص بشكل عام بما تقدمه شركات إنتاج الأحلام ونعني بها السينما، وهي قطاع صناعي يوفر دخلا قوميا يقترب من الدخل القومي السنوي لقارة مثل أفريقيا. الملاحظة أن الصين تغزو في نموها وتغولها الاقتصادي كل الأسواق ومنها عالم الرياضة وخصوصا رياضة كرة القدم بشراء اللاعبين الدوليين المعروفين بأسعار خيالية وليست تنافسية لتحويل أنظار العالم إلى ملاعبها ونقلها التلفزيوني والدعائي؛ الصين رصدت في الأشهر الأخيرة المليارات لبناء استوديوهات السينما تصارع أو تتفوق على مثيلاتها في هوليوود أو بوليوود.

يستعير ترامب كلمات المحبة المستلة من روح التضامن بلغة فنية متصاعدة رافقت خطابه السياسي الأول في يوم التنصيب، فهو يستخدم عبارة افتح قلبك للوطنية، أو كلنا ننزف ذات الدم في إشارة إلى الإنسانية بعيدا عن العنصرية، ثم ينفتح بلغة مكتوبة بعناية حيث يولد الأطفال وهم يتطلعون إلى نفس السماء ولخالق واحد؛ ثم يتوجه إلى الشعب الأميركي ليقول له أنت لن يتم تجاهلك بعد اليوم.

لنتخيل زعيم دولة في العراق مثلا يقول لنا، عن وعي وتصميم وإرادة، في يوم تنصيبه الأول إنه لن يتجاهل شعبه ولن يسمح لأحد بأن يقفز على أحلامه وحبه للحياة وتطلعه للمستقبل، لكنها أميركا فيها من يكتب الخطابات الجيدة والسيناريوهات الإنسانية الرائعة المحمية بقوة القانون والرجال والنساء والوفاء بالقسم كأمة واحدة وأحلام واحدة وبيت ومصير واحد، إنه قسم للولاء لكل الأميركيين.

بعد هذه الكلمات المؤثرة جوبه ترامب بموجة انتقادات لعدم تناوله الوحدة الأميركية في خطابه، ورغم أنه تبعها بعد يوم واحد بحديث عنها والاستماع إلى كلمات منتقاة للتقارب بين الأديان السماوية، إلا أن في شعبوية ترامب وصعوده الانتخابي ثم فوزه ما يوحي بشيء من لغة ميخائيل غورباتشوف في إعادة البناء والشفافية وما تلاهما من تفتيت الاتحاد السوفيتي؛ شخصية ترامب تقترب من طبيعة الغاز المسيل للدموع الذي استخدم في يوم تنصيبه لتفريق المتظاهرين في الجانب الآخر من الاحتفال.

باراك أوباما كان يؤدي دور المحاماة عن متهم وجد نفسه حاكما للبيت الأبيض فترافع عنه طيلة فترة حكمه. لا ننتظر من دونالد ترامب أن يكون بوعاء الرئيس التشيكوسلوفاكي فاتسلاف هافيل الذي توسلت به السلطة وكان يسعى طيلة حياته إلى اشتراكية بوجه إنساني؛ هل سيكون ترامب الوجه الإنساني للرأسمالية؟ بعد أن تسلم المفتاح النووي؛ سنرى أي وجه يختفي في قادم الأيام بين ثنايا جملة العائلات الكادحة.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر