الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الصداع الجهادي المزمن في إسبانيا: الهجرة والجيل الأول من المتشددين

  • استشعار السلطات الإسبانية لتواصل التهديد الإرهابي على أراضيها، دفعها في نهاية شهر ديسمبر من العام الماضي، إلى الإعلان عن عدم نيتها تخفيض مستوى خطر التهديد الإرهابي، وتبعا لذلك عدم نيتها تقليص مستوى الاستنفار الأمني. قرار أمني وسياسي ينطلق من دوافع عديدة متداخلة منها التخوف الإسباني من إرهابيي المقيمين على أراضيها، فضلا عن فقدان أثر عناصر إرهابية بالغة الخطورة، وتتضافر العوامل السابقة مع أثر موجات الهجرة السرية وما تمثله من احتمالات عالية لتسرب جهاديين من أفريقيا.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2017/01/25، العدد: 10523، ص(13)]

أسبانيا متوجسة من التطرف الإسلامي على أراضيها

بعد أكثر من عشر سنوات على تفجيرات مدريد التي خلفت نحو مئتي قتيل والعشرات من الجرحى، وأدخلت البلاد في مرحلة ثانية من مواجهة الإرهاب بعد مرحلة حركة إيتا الباسكية، لا تزال إسبانيا تتذكر تلك الأحداث وتفخر بسياستها الأمنية التي حالت طيلة الفترة الماضية من تكرارها، على غرار ما حصل في فرنسا المجاورة وبلجيكا التي حصلت بها عمليات إرهابية من تنفيذ تنظيم الدولة الإسلامية بزعامة أبوبكر البغدادي.

وعلى الرغم من أن الإسبان يشعرون بالكثير من الارتياح لعدم حدوث أعمال إرهابية جديدة، إلا أن مصدر الانزعاج لديهم يعود إلى الغموض الذي لا يزال يكتنف مدبري تفجيرات مدريد عام 2004، الذين تعتبر مدريد أنهم كانوا من الأدمغة التي خططت لها أو وفروا المِهاد الأيديولوجي للمنفذين.

وفي كل مرة يتم اعتقال أشخاص على ارتباط بتنظيم داعش أو يأتي ذكر اسم إسبانيا في تسجيلاته، يثار التساؤل حول مصير ثلاثة جهاديين لم يتم العثور لهم على أثر إلى اليوم.

أبرز هؤلاء الثلاثة هو أبومصعب السوري، صاحب الكتاب الشهير في الوسط الجهادي “دعوة المقاومة الإسلامية العالمية”، الذي يعرف في إسبانيا باسم “مصطفى ست مريم”. وقد دخل إسبانيا عام 1985 ثم حصل على جنسيتها عام 1987 بعد زواجه من مواطنة إسبانية، وبقي هناك مدة عشر سنوات إلى عام 1995 حيث غادر إسبانيا إلى أفغانستان. اتهم عام 1985 بالوقوف وراء تفجير بأحد المطاعم في العاصمة مدريد، لكن تمت تبرئة ساحته لاحقا.

وقد ظل يتحرك تحت أسماء عدة للالتفاف على المراقبة الأمنية، مثل “عمر عبدالقادر”، و”عمر عبدالحكيم”، و”مصطفى ست مريم”، الذي اشتهر به لدى دوائر المخابرات الإسبانية ومصالح الأمن.

إسبانيا تتوجس من احتمال حصول عملية إرهابية جديدة بسبب تكرار الإشارة إليها في تسجيلات داعش والقاعدة

ولدى وقوع تفجيرات مدريد عام 2004، أثير اسمه خلال التحقيقات، في وقت كان قد غادر البلاد إلى وجهة مجهولة. وتعتقد المخابرات الإسبانية أن المخابرات الأميركية اعتقلته في باكستان عام 2005 وربما تكون قد سلمته إلى النظام السوري، بيد أن مدريد ترى أنه يحمل معه سر تفجيرات مدريد، ويمكن لمحاكمته أن تلقي الكثير من الضوء على ما حصل في تلك الفترة، وكذا على نشأة وتطور الخلايا الإرهابية داخل إسبانيا.

الشخص الثاني هو الأندونيسي بارلينغودان سيريغار، البالغ من العمر ستين عاما اليوم، والذي يعرف لدى دوائر الأمن الإسباني باسم “بالين” أو”الصيني”. وقد درس في جامعة مدريد الهندسة الجوية بمنحة من الحكومة الإسبانية ووكالة التعاون الإسباني، وكان زميلا لسرحان عبدالمجيد، المعروف بـ”التونسي”، الذي يعتقد أنه أحد الرؤوس المدبرة لتفجيرات مدريد.

ويوجد اسم “بالين” اليوم على رأس قائمة المطلوبين لدى إسبانيا والمخابرات الأوروبية، وتقول السلطات الإسبانية إنه غادر البلاد عام 2001، لكن بصماته وجدت أثناء التحقيقات في تلك التفجيرات، إذ أظهرت أنه كان وراء تطوير بعض التقنيات التي استعملت في تفجير القطارات. وكشف التحقيق مع الخلية التي كان يتزعمها السوري عمادالدين بركات جركس، التي تعرف بـ”خلية أبي الدحداح”، أن ذلك المهندس الأندونيسي كان أحد الشركاء فيها. وتعتقد السلطات الإسبانية أنه كان من الناشطين ضمن صفوف “الجماعة الإسلامية” الأندونيسية، وتصفه سلطات جاكرتا بأنه “أحد أكثر الإرهابيين المفتش عنهم”.

الشخص الثالث هو المغربي سعيد براج، الذي ينعت بأنه “الحلقة المفقودة” في تفجير القطارات الأربعة التي خلفت 192 قتيلا. وتكمن أهمية براج، الذي أصدرت مدريد مذكرة توقيف دولية في مارس 2004، في كونه الشاهد الوحيد ضمن الخلية التي بقيت على قيد الحياة بعد تلك التفجيرات، والتي انتحر أربعة من أعضائها داخل مسكنهم في حي “ليغانيس” بمدريد في أبريل 2004 بعد أن حاول أفراد من الأمن اقتحامها لاعتقالهم، بينما يعتقد أن الاثنين الآخرين ربما يكونان قد قتلا في العراق خلال تلك الفترة.

وفي الوقت الذي تواجه إسبانيا تحديات أمنية داخلية، وتوجسا من احتمال حصول عملية إرهابية جديدة، بسبب تكرار الإشارة إليها في التسجيلات الصوتية الصادرة عن تنظيم داعش أو تنظيم القاعدة، فإن تلك الحلقات الثلاث المفقودة لا تزال، بالنسبة إلى السلطات الأمنية الإسبانية، تحمل معها خيوطا يمكنها فك ألغاز تفجيرات مدريد، وفي نفس الوقت حل الغموض المحيط بالجيل الأول من الجهاديين داخل إسبانيا.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر