الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

برزخ

إذا كانت الأفلام السينمائية غير التجارية التي تتوجه اليوم أكثر فأكثر إلى الغرائبية كجزء لا يتجزأ من الواقع، فإن “الفيديو آرت” بطبيعته غير قادر إلا على أن يكون غرائبيا بالفطرة.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/01/27، العدد: 10525، ص(17)]

سألني أحد الأصدقاء ما سرّ اهتمامك المتزايد بـ”الفيديو آرت”؟، سؤال لم أتمكن من الإجابة عنه بشكل فوري وواضح، أما الآن فباستطاعتي القول إن جاذبية هذا الفن بالنسبة إلي نابعة من سببين اثنين.

السبب الأول هو ملاحظتي المتعاظمة لاتصاله العضوي والروحي بالفن التشكيلي بمختلف أنواعه، وذلك من حيث منبع الأفكار والشغف بالإيحاءات والولع بالألوان (أو انعدامها)، كذلك اعتماده على تشييد بصري تتابعي أو تراكميّ يفتح الرؤيا أمام المُشاهد تماما كما “تُعكر” الحصى المُلقاة سكون بحيرة ما لتبرز سلسلة من حلقات تظهّر لبرهة خاطفة ما في عمق البحيرة.

هناك سبب آخر لاهتمامي المتعاظم بهذا الفن وهو تقاربه الشديد مع الفن السينمائي، وفن التحريك الديجيتالي والتصوير الضوئي. لا أقصد هنا ما توظّفه أو تقوم عليه الأفلام التجارية، بل أقصد تلك التي تغوص في أعماق الوجود البشري والذات الفردية على السواء لتُخرج إلى العلن حلو ومر العيش على هذه الأرض، أو في احتمالات وجود آخر غير هذه الأرض إن كان ذلك تاليا للحياة عليها أو بمحاذاتها، وكل ذلك بتكثيف واختصار شديد يسهل من تجلياته التقدم التكنولوجي المتسارع وانتشار المعارف طولا وعمقا.

لا أعلم إن كان يمكنني القول إن “الفيديو آرت” حينما يكون عملا فنيا ناجحا هو أكثر راديكالية من أي فيلم ملحمي عالي الجودة من حيث الظاهر والمضمون، لأنه غالبا، وبسبب قصر مدته وعرضه ضمن معرض تجهيزي مرتبط به، يرّد أشياء الحياة إلى جذورها.

لا أعلم لماذا تبدو الأعمال “الفيديوية” القصيرة أعمالا “خام” لم تتلق أي صقل أو تحوير، وإن كان الفنان قد اشتغل طويلا على نحت تفاصيلها.

على المُشاهد أن يتلقى هذه الأعمال على أنها مواد أولوية يمكنها أن تكون نواة مُحكمة قائمة ومكتفية بذاتها، أو نواة لتكوين أفلام وأعمال فنية أخرى، أو حتى لتكوين موقف ما تجاه الذات والعالم المحيط.

أود كثيرا أن أطلق على أعمال “الفيديو آرت” الناجحة اسم “الأفلام الأمبريقية” نسبة إلى مصطلح الأمبريقية الذي حسب التعريف المُعتمد هو الذي “يعبر عن الخبرة الحسية التي مصدرها الحواس، والتي هي أساس المعارف الإنسانية ومن ضمنها المعارف العلمية البحتة”، فمعظم هذه الأفلام تنقل للمشاهد تفاصيل ومشاهد في منتهى “عاديتها”، إذا صحّ التعبير لكي تأخذ بعقله إلى ما هو أبعد، إلى حيث يقبع المعنى أو.. غيابه أو زئبقيته في عالم مشكوك بأمره أكثر فأكثر.

غالبا ما تجرنا تلك الأفلام إلى تداعيات وجدانية تعيد تشكيل نظرتنا إلى أبسط الأمور، أو حتى تقدم مفاتيح للألغاز الكونية.

وإذا كانت الأفلام السينمائية غير التجارية التي تتوجه اليوم أكثر فأكثر إلى الغرائبية كجزء لا يتجزأ من الواقع، فإن “الفيديو آرت” بطبيعته غير قادر إلا على أن يكون غرائبيا بالفطرة، وبالتالي هو مصدع لصور الواقع الظاهري الذي هو فعليا جرح مزمن لا ينبغي تجاهله طويلا، ولا تجاهل “بدائية” الألم الإنساني المشترك الذي ما ينفك يعتمل ويتفاعل بداخله ويشوه في الكثير من الأحيان الملامح الإيجابية للوجه البشري/الإنساني.

أما حول كيفية تحديد المكان الذي يقع فيه عالم “الفيديو آرت” فهذا يبدو أحيانا من أكثر الأمور تعقيدا، لأن باستطاعته أن يشمل ويضيء على كل المعارف الإنسانية من حيث الصياغة والمضمون في عدة دقائق، إنه يقع في العالم الذي يتجاور فيه العلم بالحلم، الفن بفجاجة الحضور، الموت بالحياة دون أن يحدث التخالط ما بين هؤلاء لينعدم أحدهما في الآخر.

أكاد أقول إن عالم “الفيديو آرت” هو برزخ تتأرجح فيه إنتظاراتنا وندرك في إقامتنا المؤقتة فيه حقيقة وجودنا التراجيدي المصحوب دائما بسيمفونيات الفرح والخفّة واللامبالاة، حتى وإن كنا لا نريد الإصغاء إليها أو حتى الاعتراف بوجودها.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر