الاربعاء 26 يوليو/تموز 2017، العدد: 10703

الاربعاء 26 يوليو/تموز 2017، العدد: 10703

هل من فدية لإطلاق سراح العراق المختطف

العبادي يقول إن ترامب معنا ونحن نقاتل الإرهاب وسيزداد الدعم الأميركي ونفط العراق للعراقيين، في الوقت الذي يتهم فيه ترامب إدارة أوباما بتسليم العراق إلى إيران وداعش؛ ماذا بقي بعد اختطاف العراق.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2017/01/28، العدد: 10526، ص(8)]

للأسبوع الثاني على التوالي نتابع المؤتمر الصحافي لرئيس وزراء العراق حيدر العبادي القائد العام للقوات المسلحة، عضو حزب الدعوة الحاكم الذي يتزعمه نوري المالكي رئيس الوزراء السابق ولفترتين انتخابيتين ونائب رئيس الجمهورية حالياً. هنأ العبادي شعب العراق بتحرير الجانب الأيسر أو الشرقي من مدينة الموصل بعد أكثر من ثلاثة أشهر على بدء المعارك وعمليات التطويق والعزل التي شهدت تحرير الأحياء تباعاً، تخللتها إخفاقات لاعتماد غرفة العمليات المشتركة على قوات مكافحة الإرهاب فقط لتدريبها وجاهزية إعدادها، لكنها منيت بتضحيات في مقاتليها وخسارة بعض قادتها .

وكان ذلك دليلاً على التعجيل في اتخاذ قرار المعركة لأسباب داخلية تتعلق بإيقاف التدهور بين القوى السياسية وما نتج عن ذلك من تظاهرات واقتحامات للمنطقة الخضراء واعتصامات ومهازل الإصلاح في تشكيلة الحكومة، وجلسات البرلمان وما جرى فيها من كشف للمستور عن حقيقة العلاقة بين المكونات العنصرية والطائفية ومكاسبها السياسية في تجاوز صريح وعبور على مأساة المدن المنكوبة وضعف الأداء الاقتصادي والخدمي والإداري الشامل.

العامل الخارجي أيضاً كان يشكل ضغطاً لأن معركة الموصل ازدحمت كقرار مفروغ منه ضمن حسابات إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما وحزبه الديمقراطي كورقة انتخابية وبرنامج يتفادى الانتقادات الكبيرة للسياسة الخارجية الأميركية، وما اتسمت به من تهاون في محاربة الإرهاب وتمدده على الساحة الدولية. كان قرار توقيت بدء المعركة تنويها مسبقا لتغيرات نوعية في سياسة الإدارة الديمقراطية المقبلة، وهو نوع من الإعداد النفسي لفوز ساهم فيه الإعلام وماكنته التي أوحت لأميركا وللعالم بفوز حتمي لمرشحة الديمقراطيين؛ وهذا ما ستدفعه أميركا نقداً وعداً من انقسامات خلال فترة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب.

التسلق والصعود على أكتاف شعب العراق ودمه ومصائبه ليسا جديدين، لكن العبادي والمالكي يتقاذفان المدن العراقية المطلوبة طائفياً بالمخطط والمشروع الإيرانيين كما يتقاذفان كرة مصالح حزبهما المشتركة، وأيضاً خلافاتهما وطموحاتهما الشخصية في ملعب له أهداف متقابلة وصراع أكيد لكنه على أرضية واحدة يبدو للجمهور مباراة ودية ترعاها شركات كبرى دولية وإقليمية، دون أن ننفي التوقعات بإمكانية انجرار الطرفين إلى اشتباكات مباشرة في اللحظات الأخيرة من الانتخابات القادمة.

وإن كانت الأمور تبدو تحت السيطرة بحكم بداية المشوار في مرحلة الترقب بعد طرح مشروع التسوية ومباركة المرشد خامنئي على طروحات التحالف الوطني ووصاياه، وهي وصايا واجبة التقليد والتنفيذ للتحالف ولجمهوره خاصة بعد تمرير قانون هيئة الحشد الشعبي في البرلمان العراقي بالأغلبية الطائفية، وهو عند الفقيه الإيراني أبقى وأدوم وأنفع لمشروعه من العبادي وحتى المالكي، وإن كان المالكي زعيم حزب الدعوة أداة طيعة ومرنة في قبضة المرشد وينفذ طلباته كما يقولون في لبناننا العربي “بالوما” أي بالإشارة وتوافق شفرات الإرسال.

خامنئي استبق فوز الرئيس دونالد ترامب بإدارة البيت الأبيض، وأعطى رغباته الصارمة لزعيم التحالف الوطني عمار الحكيم وبعدها لنوري المالكي ولقادة الميليشيات المنضوية تحت قانون هيئة الحشد، للإعلان والتصريح من طهران، دون انتظار عودتهم إلى العراق، إنما على الفور، برفضهم زيادة عدد القوات الأميركية المشاركة في الحرب على الإرهاب وما تقدمه من إسناد للقوات العراقية في معركة الموصل تحديداً. اليوم تصاعدت مفارقة التجاذبات الأميركية الإيرانية بعد استلام ترامب لمنصبه الذي سبقه بأيام وصول قوة أميركية من 2000 عسكري إلى قاعدة عين الأسد الجوية مع معداتهم الثقيلة، مهمة وُصفت بتأمين حدود العراق مع سوريا في إطار الحرب على داعش.

حكومة العبادي لدى أطراف معينة في العملية السياسية وهي من خارج حزب الدعوة أو التحالف الوطني، تعتبر بمثابة ورشة تصليح لحماقات وجرائم وأخطاء الحكومة السابقة؛ وهي برئاسة المالكي الذي استجمع من حوله ائتلافا انتخابيا تحت عنوان دولة القانون. هؤلاء يقارنون أداء العبادي بتقييمهم للمالكي كرئيس وزراء أرسى الخطاب الطائفي والمحاصصة والانقسام المجتمعي وارتكب جريمة تسليم الموصل وتسليح داعش بمعدات وتجهيزات فرق عسكرية ولكافة الصنوف ومعظمها سلاح من إنتاج المصانع الحربية الأميركية؛ وذلك عند القيادة الأميركية يمثل إهانة كبرى لم تستطع أبداً ابتلاع مضامينها ونتائجها وستدفع الحكومة القادمة والعراق عموماً فاتورة حساب أكبر بكثير مما يتوقع العبادي والمالكي والمرشد معهما.

زعيم حزب الدعوة يقود سلسلة مهمات وبفريق متنوع المهام لإضعاف حكومة العبادي، وهو رئيس وزراء من حزب المالكي وعضو بارز فيه، والاثنان ساهما سابقاً وحالياً في إضعاف الدولة ومفاهيم المواطنة ويتنافسان تحت سقف خيمة انتخابية واحدة بأهدافها ومشاريعها وميليشياتها وتسويتها التي ستنتهي بتقسيم العراق جغرافيا، بعد أن تم تقسيمه فعلياً إلى طوائف وقبائل غير متعارفة خلال سنوات من حكمهم، وشردوا وقتلوا واستباحوا من يخالفهم طائفياً أولاً أو حتى في الرأي من داخل طائفتهم والمجازر حاضرة في ذاكرة ما بعد الاحتلال وقبله أيضاً.

ما بنته الأمة العراقية عبر تاريخها الشاق العسير من وئام ونزوع وطني وحضاري هدمته حكومات الاحتلال، وهي حكومات حزب الدعوة وضمنها حكومة إبراهيم الجعفري وزير الخارجية الحالي، وهي وزارة خارجية حزب الدعوة بكل ما عليه من ملاحظات في الأداء الوظيفي والشخصي لوزيرها.

العبادي يدافع بعشوائية عن الأجهزة الأمنية، عبر تكراره المثير للسخرية والسخط أن كل عملية إرهابية تنفذ هناك 100 عملية فاشلة بجهود الاستخبارات العسكرية. رئيس وزراء دولة ألا توجد لديه أرقام حقيقية للعمليات الإرهابية التي تمت السيطرة عليها؟ من هم الجناة؟ لماذا لا يتم الكشف عنهم؟ تطول الأسئلة عن أسباب عدم إلقاء القبض على الإرهابي منفذ العملية الواحد بعد المئة؛ ثم ألا تذكرنا هذه المئة بـ100 ميليشيا في العراق وَثقَها العبادي في تصريح سابق له، مضيفاً أنها تعيقه عن بناء الدولة؟ لماذا غاب الحديث عنها في حاضره؟ هل كان كلاماً عشوائياً حينها في ملائمة مع أطروحاته عن العمليات الإرهابية الفاشلة، ألا يحيلنا عددها إلى من يحاول إضعاف دولته؟ السؤال الأهم هو عن المصدر الهائل الذي يُجهز شبكة المعلومات بتفاصيل دقيقة عن الإرهاب في مهده، لكنه يمرر رسالة واحدة على الأرض.

رئيس إقليم كردستان، بدون كوابح لغة دبلوماسية أو شركاء وطن، قال لا للمالكي رئيساً لوزراء الحكومة المركزية بعد الانتخابات القادمة، وإذا اتفقت الأطراف عليه فالإقليم سيذهب إلى إعلان استقلال الدولة الكردية. العبادي مستمر في ورطته اللذيذة كرئيس للوزراء وقائد عام للقوات المسلحة وعضو في حزب الدعوة وإنجازه مع حزبه وغالبية كتلته الطائفية في البرلمان دمج الـ100 ميليشيا، التي كانت تؤرقه وتقف حجر عثرة أمام بناء دولته، ضمن قانون هيئة الحشد الشعبي وتحت صلاحياته، أي إنه يمتلك 100 فصيل بإمرته غير أجهزة الأمن التقليدية، منها فصيل صغير أشار إليه وساهم في مداهمة منطقة الطارمية واختطاف المواطنين من الشوارع عشوائياً، ولم يكتف الفصيل بذلك إنما تجاوز حتى على النقاط العسكرية الرسمية؛ والاختطافات هي تعبير عن فقدان أو غياب أو اختطاف القانون من قبل حكومات الاحتلال المتعاقبة.

من المسؤول عن تقسيمات جديدة ظهرت عن حشد شعبي عراقي وآخر حشد شعبي بأوامر إيرانية، مع حملة حفر خنادق حول المدن آخرها حول المدينة القديمة في سامراء وغيرها، والمبررات جاهزة للدفاع عن القدس ومواقف حاسمة من حكومة العبادي ضد أميركا بإدارة ترامب إذا قرر نقل السفارة الأميركية من تل أبيب، لكن العبادي، يقول إن ترامب معنا ونحن نقاتل الإرهاب وسيزداد الدعم الأميركي وإن نفط العراق للعراقيين، في الوقت الذي يتهم فيه ترامب إدارة أوباما بتسليم العراق إلى إيران وداعش؛ ماذا بقي من مقالتنا بعد اختطاف العراق؟

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر