الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

متى يتوقف نزيف هجرة العقول العربية

هجرة العقول ظاهرة تاريخية لم ترتبط بمكان أو زمان، إنما هي ردة فعل لافتقاد أصحابها للحرية وبيئة الإبداع، واختناقهم بدخان بيئة ملوثة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2013/12/07، العدد: 9402، ص(8)]

لا جدال في أن الوطن العربي تعرض منذ زمن بعيد لاستنزاف في طاقاته المادية والاقتصادية والاجتماعية، وهو استنزاف أضعف حركة المجتمع وديناميكيته، ومزق كياناته الاجتماعية والثقافية، وعطل تطوير العقل وتنمية العلم والإنسان. فهذا الاستنزاف لم يكن معزولاً عن التفكير الغيبي أو السلطوي الاستبدادي الذي تحكم في ثقافة المكان والزمان، وأدى إلى شيوع ثقافة اللامبالاة تجاه ظواهر الحياة. بمعنى أن خسارة المجتمع من جراء الاستنزاف المجتمعي، ما كان يحدث لولا تخلف مؤسسات المجتمع وركودها، وعدم فعاليتها في إدارة الأزمات، وابتكارها أساليب علمية لمواجهتها، واستشرافها للمستقبل.

باختصار هناك استنزاف ظاهر، وهناك استنزاف باطن، والأخطر هو أن يُستنزف المجتمع اقتصاديا وعلميا من دون رؤية ظاهرة، ومعرفة دلالاتها ظاهرياً بسبب طبيعتها غير المنظورة وصعوبة تقدير حساباتها الاقتصادية المباشرة، فهي تنخر في الباطن، ولا تشعر المجتمعات بمخاطرها الاقتصادية، إلا عندما تصطدم الإرادات المتباينة، أو تبدأ الرغبات بإيقاظ الحاجات.

إن هجرة العقول أو الكفاءات ظاهرة تاريخيّة لم ترتبط بمكان أو زمان، إنما هي ردة فعل لافتقاد أصحابها للحرية وبيئة الإبداع، واختناقهم بدخان بيئة ملوثة سياسيّا واجتماعيا واقتصاديا، وهي بيئة تنبذ العلم في ممارساتها، وتكرس لمفهوم الجمود الفكري والعقلي.

ولم تكن هجرة العقول مرتبطة بالعرب فقط، فهي بدأت عالميا، ولكن آثارها الاقتصادية والعلمية أعمق بكثير مما في مجتمعاتنا التي تعاني من أميّة أبجديّة وأميّة حضاريّة وفقر في المعايير العلميّة، وتلوث بيئي في الإبداع والعلم، وهو ما يجعل هجرة العقل من الموطن إلى الوطن الآخر خسارة لا تعوّض. وتعني انتقال أهم رأسمال اقتصادي للبلد ألا وهو الرأسمال البشري المثقف، المؤثر في تطور الاقتصاد القومي وعلى التركيب الهيكلي للسكان والقوى البشرية، وحرمان الدول العربية من الاستفادة من مؤهلات هذه الكفاءات.

تشير احصاءات جامعة الدول العربية ومنظمة العمل العربية وبعض المنظمات المهتمة بالظاهرة إلى أن الوطن العربي يساهم بـ31 بالمئة من هجرة الكفاءات، وأن 50 بالمئة من الأطباء و23 بالمئة من المهندسين، و15 بالمئة من العلماء من مجموع الكفاءات العربية، يتوجهون إلى أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وكندا، وأن 54 بالمئة من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج لايعودون إلى بلدانهم. والأخطر، كما يقول خبير خليجي، أن تحدث هجرة الأدمغة من دول الرفاه والتقدم، من دول تعاني قلة في عدد سكانها، من المواطنين بسبب عجزهم عن إيجاد عمل لهم، وهي التي يفد إليها عشرات الآلاف من كل أنحاء العالم للعمل بها.

استراتيجيا، تعتبر هجرة العقول نزيفا خطيرا غير منظور للمجتمعات العربية، حيث المعادلة الصعبة بين رؤية تحديث المجتمع العربي، وهجرة العقول المتخصصة في أبرز الاختصاصات العلمية النادرة كالجراحات الدقيقة والطب النووي، والعلاج بالإشعاع، والهندسة الإلكترونية، والهندسة النووية، وعلوم الليزر، وعلوم الفضاء، والهندسة الوراثية، إضافة إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية.

وباختصار هناك استراتيجية لنموذجين من الهجرة: نموذج تقليدي، وهو الهجرة إلى الخارج. ونموذج معاصر تبنته الشركات العابرة للحدود بإقامة مراكز بحوث داخليا (الهجرة إلى الداخل)، واستثمار العقول العربية لمصلحتها السياسية والاقتصادية والمالية، دون أن يكون للدول العربية فوائد علمية واقتصادية تخدم مجتمعاتها بمعنى أنها أصبحت صورة للاستغلال وسلب القدرات الطبيعية والبشرية.

إن هجرة العقول أضعفت المؤسسات العلمية والأكاديمية ومراكز البحث العلمي، وأصبحت الجامعات العربية تعاني خللا في ندرة التخصصات العلمية، وتدهورا في البحث العلمي، حيث معدل الإنفاق العربي على البحث العلمي لا يزيد على 0,002 بالمئة سنويا من الدخل القومي، يقابله تخلف وعجز تنموي وإخفاق علمي وتكنولوجي ومشكلات معيشية، وضعف مستوى الأجور والرواتب التي يتقاضاها الباحثون والعلماء. ولهذا السبب أدارت أعمدة الفكر والثقافة في الوطن العربي ظهورها للدولة والمجتمع، إما عن طريق البحث عن «فضائل العزلة» أوعن طريق البحث عن «فضائل الغربة»، في ظل غياب الرموز الحضارية والفكرية عن عقل صانع للقرار السياسي.

قانونياً، إن الدول العربية بحاجة إلى وضع قوانين متطورة لجذب العقول المهاجرة، وإيقاف النزيف الاقتصادي الذي تتعرض له، وإيجاد تنسيق قانوني بينها وبين المؤسسات الدولية ذات العلاقة لحماية العقول العربية المهاجرة، وحمايتها من الاستغلال غير الإنساني للشركات الدولية عابرة الحدود.

إن نزيف الهجرة يحتاج إلى خطة تنظيمية وإدارية لوقف الهجرة أو تنظيمها بالاتجاه الذي يؤدي إلى أن تكون فعالة في تطوير المجتمعات العربية، لا لتصبح عبئا مضاعفا على المشكلات الكثيرة التي يتعرض لها الوطن العربي. بمعنى آخر، إننا بحاجة إلى عملية تنظيم لهجرة العقول مرتبطة بحاجات المجتمع ومؤسساته، وإلى إدارة فعالة تستجيب لعملية التنظيم والتخطيط.

إن الأقطار العربية تكبدت خسائر جسيمة جراء هجرة العقول بلغت (11) مليار دولار في السبعينات، وأكثر من 200 مليار دولار في الوقت الحاضر، وهي خسارة غير منظورة في اقتصاديات هذه البلدان. ونعترف أن هجرة العقول تؤدي إلى تأمين المليارات من العملة الصعبة في البلدان الأصلية للمهاجرين، وتحسين الوضع الاجتماعي للعائلات الفقيرة، إلا أن بعد هذه الكفاءات عن مواطنها الأصلية يعني حتما توسع الفجوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة، وتأثيرها في المخططات التنموية العربية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

ومن الضروري أن يسهم الإعلام العربي في تعزيز التوعية العربية بهذه الظاهرة، وبأهمية البحث العلمي في الحياة العربية، ورفع الثقة العربية بقدرات العلماء العرب ودورهم بالنهوض في المسيرة العلمية العربية من خلال تعريف المجتمع العربي بإنجازات هؤلاء العلماء العرب وعطاءاتهم، وتكريمهم في وسائل الإعلام وجعلهم قدوة للأجيال المقبلة.

أكاديمي وإعلامي عراقي مقيم في الإمارات

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر