الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

'سباق الموت 2050': أميركا تستمتع بدماء أبنائها

  • يظهر فيلم "سباق الموت 2050" للمخرج جي جاي اشترنكامب أميركا كما لم تكن من قبل، وكما لا يمكن تخيّلها وتصوّر شكل الحياة فيها حتى منتصف القرن الحالي، ليس افتراضا ذاك الذي يرسمه لنا الخيال العلمي، بل هنالك قدر من الواقعية والنزعات الفردية والسلوكيات الاجتماعية التي سترسم الصورة الكاملة لذلك المجتمع وكيف سيبدو بعد عقود عدّة، بالطبع سوف يذهب الخيال بنا بعيدا إلى تصوّر شكل البيئة النظيفة صديقة الإنسان وكل شيء ينتمي إلى فئة الخضر والمدافعين عن الطبيعة، وأن التكنولوجيا ستندمج أدواتها وتحوّل حياة الإنسان إلى رفاهية متناهية وكل شيء طوع بنانه.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2017/01/30، العدد: 10528، ص(16)]

فيلم خيال علمي يمزج الكوميديا بالأكشن

مع مطلع هذا العام تتحفنا الشركة السينمائية الأميركية العملاقة “يونيفرسال” بفيلم يقلب الكثير من الموازين والافتراضات، وتزج بالسينمائي متعدد المواهب روجر كورمان (ناهز التسعين من العمر) منتجا، ليتحفنا المخرج الشاب جي جاي اشترنكامب بتحفة سينمائية غرائبية عنوانها “سباق الموت 2050” بدت صادمة إلى حد كبير بعد ثمانية أفلام له تراوحت بين القصير والوثائقي والطويل.

أميركا في ذلك الزمن الافتراضي (العام 2050) سوف تحكمها الشركات متعددة الجنسيات، والشعب الأميركي يكون قد تعرض إلى أكبر عملية غسيل دماغ مطلقة تجعله أسير ذلك العالم الوهمي الذي صنعته له تلك الشركات، ولا متعة تعلو أو تسبق متعة القتل التي تطال أعدادا لا يُستهان بها من الفائضين والعاطلين الذين يُثقلون المجتمع باحتياجاتهم.

سباق سيارات مصفّحة تقودها شخصيات تتنوع ما بين “الروبوت” الذي يقدم الشخصية الأكثر شعبية فرانكشتاين (الممثل مانو بانيت) والمثلي الشاذ جيد بيرفكتوس (يقوم بالدور بورت غيرنستيد) وذات الأصول الأفريقية منيرفا (الممثلة فولاك أولوفويكو) وآخرين ممن يجب أن يجهز بعضهم على البعض الآخر، لكي يكون هنالك فائز واحد، فيما يقود هذا العالم الافتراضي كهل يرتع بالملذات ويتشفى بالدماء (يقوم بالدور الممثل المخضرم مالكوم ماكدويل).

الفيلم تنتظره حملات دعائية ضخمة وبانتظار إطلاقه في الصالات وقد وصل مؤخرا إلى الأسواق على أقراص “بلو راي”، وسيكون الجمهور مأخوذا للوهلة الأولى بسباق طريف للسيارات مع كم هائل من السخرية السياسية والنكات والقفشات، لكن المعادل الموضوعي لكل هذا أن أميركا 2050 هي التي يستمتع سكّانها بدماء أبنائها.

الكثير من الغرافيك والخدع البصرية

فيلم يغصّ بمشاهد بشعة لقطع الأطراف والقتل المجاني وسحق الرؤوس والأجساد تحت عجلات السيارات المصفحة للمتسابقين، سخرية من امرأة متدينة وإرهابية، لكنها ليست داعشية بكل تأكيد، والمشكلة أنه كلما أمعن المتسابق في القتل وزاد في بشاعته، كلما زادت نقاطه ويهلل له المشاهدون الذين هم بالملايين وتكتظ بهم الملاعب.

الجمهور مغسول الأدمغة الذي يتغنى بالقتل البشع ولو على نفسه يعيش عالما افتراضيا من خلال النظارات الرقمية التي تنقله ليكون إلى جانب المتسابقين لحظة بلحظة وهم يجهزون على الجمهور المصطف لتشجيعهم أو الناس العزل، المهم أن يكون هنالك سحل وقتل بالديناميت وسحق تحت العجلات وسقوط سيارات من أعالي الجبال.

حرص المخرج على تقديم فانتازيا مضى فيها السرد الفيلمي إلى نهاياته، مع اتكال واضح على فترات التوقّف الضرورية بين جولات السباق، تلك الوقفات في السرد الفيلمي أراد المخرج وكاتب السيناريو من خلالها بثّ حبكات ثانوية إضافية تسهم في تصعيد الأحداث، كمثل اكتشاف فرنكشتاين أن صديقته مارسي (الممثلة آني سوليفان) إن هي إلا خائنة ومعارضة للنظام ومدسوسة للقضاء عليه، لكنها تقع في غرامه وتتخلى عن تلك المهمة، أو نزال الملاكمة ما بين فرنكشتاين وخصومه، أو بين منيرفا السمراء وغريمتها ومنافستها.

هنالك الكثير من الهزل الذي ميّز هذا الفيلم مع تكثيف شديد في الغرافيك والخدع البصرية التي أريد من خلالها أن تكون الصورة أداة مساعدة لانتشال أحداث الفيلم من مجرد فيلم سباق عادي إلى زج أدوات بصرية تشجّع الجمهور على المتابعة.

أميركا 2050 لا فرق بين مدنها وولاياتها الصاخبة والمتطورة مثل لوس أنجلس أو كاليفورنيا وبين ضواحيها ومناطقها الزراعية، فالكل منجذب لذلك القتل الوحشي من أجل تقليل السكان الفائضين عن الحاجة ومن هم مشاريع للقتل مستعدون لذلك بعبثية مفتعلة أقرب إلى الجنون، حتى تصبح المشاهد الأكثر بشاعة مثل رسوم كارتونية لا تخدش الحس ولا العين ولا تنتمي إلى فئة المشاهد التي لا تناسب ذوي القلوب الضعيفة.

في المقابل ومع الزج بعدد مهم من نجوم هوليوود إلا أننا افتقدنا الدراما الفيلمية والسرد الفيلمي المؤثر الذي يقوده أولئك الممثلون المحترفون ويكونون هم ركيزته الأساسية، بل إن الأداء المتساوي تقريبا بين ممثلين مميزين وممثلين ثانويين كان علامة فارقة في هذا الفيلم.

لا نستطيع بعد هذا أن نجزم كيف سيقابَل هذا الفيلم إن على صعيد الجمهور أو على صعيد النقاد، وكيف سيتم الاحتفاء بأميركا التي تريد أن تقود العالم بحسب نظرية ترامب، وهي بهذا الشكل من الهزال والسطحية والبشاعة في القتل المجاني.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر