الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

بوادر تسوية سوريا: مناطق ترامب الآمنة ودستور بوتين

'المناطق الآمنة' و'مسودة الدستور السوري' مشروعان يحددان مسار الأزمة وطرق التسوية بالمعيارين الأميركي والروسي، ويستندان إلى الاقتناع بأن أطراف الصراع استنزفت إلى حد بعيد، وقابليتها للقبول بالتسوية باتت ظاهرة.

العرب علي الأمين [نُشر في 2017/01/31، العدد: 10529، ص(8)]

“المناطق الآمنة” في سوريا، و“مسودة الدستور السوري” مشروعان بارزان فرضتهما في مسار الأزمة السورية الإدارة الأميركية الجديدة والقيادة الروسية المنتشية بانتصاراتها الاستراتيجية في سوريا. لكن كلّا منهما يثبت حضوره من خلال ما يتلاءم مع مصالحه وشروط الدور الذي يسعى إلى تعزيزه. هذا بعد مرور نحو ست سنوات على الأزمة السورية التي بدأت ثورة ضد نظام الاستبداد، وما لبث بعد سنوات قليلة أن أقحمت الدول الإقليمية نفسها في صراع أرادته على الأراضي السورية تفاديا لمواجهات مباشرة في ما بينها. اليوم تعود واشنطن بعنوان إيجاد مناطق آمنة في سوريا، بعد أن قطعت روسيا أشواطا جعلتها على أهبة أن تتحول مرجعية الحل في هذا البلد المنكوب.

وكانت وكالة رويترز قد سرّبت خبرا عن مسودة قرار تنفيذي يتعلق بفرض مناطق آمنة يعتزم الرئيس الأميركي دونالد ترمب توقيعه في هذا الشأن. كذلك انتشرت صورة يُقال إنّها ترمز للمناطق التي تسعى إدارة ترامب إلى إقامتها فوق الأراضي السورية.

تركيا تنفّست الصعداء وسارعت إلى دعم الخطوة الأميركية وأكدت على ضرورة المضي بالخطوة في أسرع ما يمكن. لا سيما أنّها كانت أول من دعا إلى هذه الخطوة منذ ثلاث سنوات لكنها لم تلقَ ترحيبا أميركيا في ذلك الحين، وكان هذا الرفض إيذانا بالتحول التركي الذي أخذ وجهة موسكو في مقاربة الأزمة السورية. كذلك تشير التحليلات الصحافية الأميركية إلى أنّ المناطق الآمنة ستجعل الدولة السورية -في حال نفّذت أميركا مخططها- مقسمة إلى أربع مناطق كلّ منها تابعة لدولة ذات وزن دولي وإقليمي.

أما المنطقة الأولى فتمتد من اللاذقية وصولا إلى دمشق وتخضع لنفوذ النظام السوري، بينما المنطقة الثانية تمتد من شمال شرق سوريا وصولا إلى منبج وتخضع للنفوذ الأميركي، فيما تمتد المنطقة الثالثة من السويداء وصولا إلى القنيطرة وتخضع أيضا لأميركا، في حين تفوز تركيا بمنطقة تمتد على طول 70 كيلومترا من شريطها الحدودي وبعمق 70 كيلومترا وصولا إلى مدينة الباب شمال حلب.

انطلاقا ممّا تقدم يبدو أنّ الخلاف بين واشنطن وموسكو قد انطلق بعد إعلان ترامب عن عزمه إقامة مناطق آمنة في سوريا. فقد أعلنت روسيا على لسان المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أنّ أميركا لم تتشاور مع روسيا حول المناطق الآمنة التي يعتزم ترامب خلقها. وحذرت موسكو من مغبة الإقدام على مثل هذه الخطوة. وبحسب المتحـدث باسم الكـرملين، فإنّه “يجب على الإدارة الأميركية أن تفكر في العواقب المحتملة لإقامة مناطق آمنة في سوريا”.

خلافا لرأي روسيا هذا، يرى الرئيس الأميركي أنّ إنشاء مناطق آمنة هو لصالح الولايات المتحدة الأميركية، لأنّ هذه المناطق ستوفر ملاذا يمنع موجات اللجوء إلى الولايات المتحدة وأوروبا ودول الجوار، وتعفي الولايات المتحدة من “المطالبات الإنسانية”، كما من شأن هذه المناطق أن تتحول إلى ورقة رابحة بيد الولايات المتحدة وروسيا، فيما لو رأت في ذلك مصلحة لهما في أيّ وقت. علما وأنّ الإدارة الأميركية الجديدة، التي أعادت رسم المناطق السورية بناء على ما هو مرسوم من خطوط تماس بين الفرقاء المتصارعين، لا ترى من خلال ذلك ما يحول دون التفاهم مع روسيا ضمن الملف السوري، بما في ذلك ضمان المصالح الروسية في هذا البلد.

وتعتبر إدارة ترامب، كمـا الإدارة السابقة، أنّ لا مصلحة لأميركا في الغرق داخـل المستنقع السوري طالما أنّ روسيا تقوم بالمهمة وتحفظ مصالح أميركا، خصوصا أنّ أوجه الاتفاق بين البلدين ثابتة إزاء محاربة التنظيمات الإسلامية المصنفة إرهابية وعلى رأسها تنظيم داعش، وضمان المصالح الإسرائيلية ولا سيمـا الجانب الأمني والمتصل بالدرجة الأولى بحق إسرائيل في تنفيذ هجمات عسكرية داخل سوريا في مواجهة ما تراه تهديدا لأمنها. والعنصر الثـالث الذي يتفق عليه الطرفان هو حماية الخصوصية الكردية، وأخيرا الاتفاق الضمني على إيجاد بديل للأسد لا يكون منتميا للتيارات الإسلامية الأصولية أو الجهادية بل على رأس حكم مدني غير ديني.

انطلاقا من موقفها المتشدد من الحركات الإسلامية ومن إيران، تبدو إدارة ترامب، بخلاف إدارة أوباما التي دعمت الحركات الإسلامية الشيعية في المنطقة، تتجه نحو احتواء وتحجيم النفـوذ الإيراني، حرصا على مصالح الـولايات المتحدة ومساعدتها في احتواء الحركات الإسلامية السنيّة. واشنطن تتقاطع مع موسكو على ضرورة تحجيم الدوري الإيراني في سوريا، وهي تدعم توجهات موسكو التي ظهرت عقب اتفاق حلب نهاية العام الماضي، وتواصلت مع مؤتمر أستانة رغم الانزعاج الإيراني الظاهر.

لا تعني هذه التقاطعات الأميركية الروسية في الإقليم السوري وامتداداته أنّنا أمام مرحلة اتفاق بين الدولتين، فعامل الثقة فضلا عن فعالية الاتفاق بين الدولتين الأميركية والروسية، لا يزالان في طور الاختبار. الثابت أنّ المرجعيتين الدوليتين امتلكتا إلى حد بعيد معظم أوراق الأزمة والحل في سوريا، فيمـا الأطـراف الإقليمية، لا سيما إيران وتركيا، تحاول الحفاظ على أكبر قـدر من الحصة التي صـار تقسيمهـا بيد موسكو وواشنطن إلى حد بعيد. مسودة الدستور السوري تشكل نقطة القوة التي تدركها موسكو وواشنطن. فهما تتطلعان إلى دستور لا يولي النظام الإسلامي أيّ اهتمام، وهو ما يرضي أكثر من طرف إقليمي بالدرجة الأولى لا سيما إيران التي تجد نفسها ضد أيّ مشروع دولة إسلامية سنيّة في المنطقة العربية، ولا سيما في سوريا طالما أنّ الحركات الإسلامية في سوريا تناصبها العداء.

لا شكّ أنّ اعتراضات الائتلاف السوري على هذا الدستور كبيرة، ولا سيما في الجانب المتصل بفتح روسيا الباب لكل من يطلق على نفسه اسم “معارض”، للمشاركة في بلورة ورقة الدستور الجديد، فضلا عن ممثلي النظام. لذا لم يلبِّ ائتلاف المعارضة السورية دعوة موسكو الأخيرة لمناقشة مسودة الدستور. “المناطق الآمنة” و“مسودة الدستور السوري” مشروعان يحددان مسار الأزمة وطرق التسوية بالمعيارين الأميركي والروسي، ويستندان إلى الاقتنـاع بأن أطـراف الصراع استنزفت إلى حد بعيد، وقابليتها للقبول بالتسوية باتت ظاهرة فيما تنضج فكرة الخلاص من الأسد بموازاة الاتفاق على استبعاد أيّ تنظيم إسلامي متطرف عن السلطة الجديدة، بالتزامن مع الدعوة المتضمّنة في مؤتمر أستانة ومقدماته، إلى خروج كل الميليشيات الأجنبية من سوريا.

كاتب لبناني

علي الأمين

:: مقالات أخرى لـ علي الأمين

علي الأمين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر