الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

السيسي والسبسي ومخاطر الطوق الإرهابي

التقارب التونسي المصري الجزائري الساعي إلى التأسيس على ورقة الصخيرات وليس مصادرتها، قادر لا فقط على إقناع الأطراف الليبية على التوقيع، وإنما على التنفيذ والالتزام التام ببنود الاتفاق.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2017/01/31، العدد: 10529، ص(9)]

بعيدا عن التجاذب السياسي والأيديولوجي المستعر حاليا صلب المشهد الحزبي التونسي حيال الزيارة المرتقبة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى تونس بدعوة من الرئيس الباجي قائد السبسي، فإن عناوين هامة واستحقاقات استراتيجية كبرى تحملها إطلالة رئيس واحدة من أكبر الدول العربية، دورا ووزنا في المنطقة والإقليم.

مقاربة الزيارة من زاوية القيمة الشرعيّة المضافة لأحداث 30 يونيو 2013، أو من منظور الانخراط الداعم لصفّ في مقابل صفّ مناقض ضمن المشهدية المصرية، تجانب مكمن الصواب الذي عليه أن ينصبّ حاليا حول مصالح تونس الاستراتيجية في راهن إقليمي عصيب، يقتضي التواصل مع المحيط ويفرض الحدّ الأقصى من التعاون والتشاركية بين كافة العواصم للحيلولة دون المخاطر الوجودية التي تضرب منطقة شمال أفريقيا برمتها.

الثورة التونسية تفرض على الفاعلين السياسيين الانحياز للمنظومة الحقوقية والمدوّنة التشريعية والمدنية في هذا الصدد، ولكنّ ثقل الدولة ووزن المؤسسات من جانب آخر يستوجبان من صانع القرار عدم التدخّل في الشؤون الداخلية والنأي عن “التثوير المجتمعي” واحترام المؤسسات القائمة.

ولئن كان من حقّ بعض الأصوات الحقوقية والمدنية التنديد بمجيء الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى تونس على أساس ما يسمونه بالسجل الحقوقي غير المشجع دون مصادرة لواجب الدولة التونسية في احترام سيادة الدول الأخرى، فإنّه أيضا من حقّ الفاعل الرسمي تأمين المصالح الاستراتيجية والدبلوماسية والحيوية لتونس دون شجب أو رفض أو مزايدة على المجتمع المدني.

وفق هذه الثنائية تؤمّن الديمقراطية والتعددية في الدول المتقدمة، دون أن تنقلب الموازين كما حصل في عهد الترويكا، حيث صارت الدولة عبارة عن “الجسم الرسمي لبعض المجتمع المدنيّ المنفلت” واستحال المجتمع المدني مؤديا للأدوار الدبلوماسية للجهاز الرسميّ.

إذن هي العناوين الاستراتيجية الكبرى التي ترسم مخطط عمل زيارة السيسي إلى السبسي، حيث تشترك الرؤى التونسية المصرية في ضرورة إيجاد تسوية سياسية شاملة وكاملة للملف الليبي.

من الواضح أنّ الاتفاق الثلاثي الذي نجحت تونس والجزائر ومصر في صياغته لحقن الدم الليبي ووضع المعضلة على سكة الحلّ، سيكون على رأس لقاء السبسي بالسيسي.

يراهن الثلاثي الشمال أفريقي على التسوية السياسية والعسكرية في ليبيا، معتبرا أنّ معادلة “رابح رابح” التي ستمكّن خليفة حفتر من رئاسة الجيش الليبي، وفايز السراج من قيادة حكومة وطنية جديدة تنضم إليها وتقبل بها جميع الحساسيات السياسية والمناطقية، والتي ستعطي هيئة صياغة الدستور جرعة من الشرعية الوفاقية لإتمام كتابة فصول الدستور، بإمكانها -أي تلك المعادلة- إنهاء إشكال تضارب وتقاتل الشرعيات السياسية والدستورية والانتخابية التي تشقّ الصفّ الوطني.

يعتبر هذا الثلاثي أنّ التسوية السياسية المبنية على الكتلة التاريخية الليبية هي شرط ضمّ سلاح الميليشيات وتفكيكها بالتوازي مع محاربة الإرهاب الذي وإن شهد نكسات ملحوظة في سرت وقنفودة، إلا أنّ الاحتقان المذهبي والاجتماعي في الجنوب الليبي وعند الحدود مع النيجر وتشاد والاضطرابات الحاصلة في مالي قد يمثّلان خزانا استراتيجيا جديدا لإعادة التشكّل وترتيب البيت الداخليّ.

يقدم السيسي إلى تونس بجملة من التوجسات والآمال، جوهر التوجّس هو “خطر الطوق الجغرافي” للإرهابيين، إذ أنّ تدعّم وجودهم على الحدود المصرية الغربية (المنطقة الليبية الشرقية) مع سعيهم إلى تحويل سيناء إلى عشّ الدبابير، سيجعل القاهرة بين فكي كماشة الإرهابيين، دون أن تنسى القاهرة أنّ الجار الجنوبي غير مؤتمن الجانب، حيث أنّ الخرطوم حرّكت وفي خضم الحراك الشعبي على خلفية جزيرتي صنافير وتيران، قضية في مجلس الأمن لإعادة ترسيم الحدود البرية مطالبة باستعادة منطقتي حلايب وشلاتين من مصر.

أما عنصر التطلّع، فكامن في امتلاك الثلاثي لأوراق ضغط سياسية على الأطراف الليبية سواء في الشرق أو الغرب، بما يعني أنّ التقارب التونسي المصري الجزائريّ الساعي إلى التأسيس على ورقة الصخيرات وليس مصادرتها، قادر لا فقط على إقناع الأطراف الليبية على التوقيع وإنما على التنفيذ والالتزام التام ببنود الاتفاق.

على الليبيين أن يدركوا أنّ المأساة الليبية صارت معضلة منطقة برمتها وتهديد إقليم بأكمله، لذا فإنّ التدخل الإيجابي لجسر الهوّة السياسية لا يعدّ توغلا سافرا في المشهد المحليّ.

قد تكون المبادرة الثلاثية هي الطلقة الأخيرة التي تحملها جعبة دول الإقليم للأطراف المتناحرة والمتقاتلة في ليبيا، فبعد أن لوّح المبعوث الدولي مارتن كوبلر بالمنديل الأبيض، وفيما لا تزال الجامعة العربية خارج سياق الفعل والتأثير، فإن فشل التقارب المحلي والإقليمي الحقيقي، دون مزايدة، قد يشكّل نهاية فصل التسويات وبداية فصل التراجيديات، حيث تتكسّر الدول والسلطات وتتلاشى معها كافة تطلعات إعادة الإعمار والبناء.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر