الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

هل تعرفون اسم شارعكم؟

في بلادنا الدولة توزع أسماء الشوارع مثل النياشين وأنواط الشجاعة. ضابط يستشهد في معركة يصير هناك شارع باسمه. الناس لا تحب هذا العبث. ليس استخفافا بالشهداء والبارزين بل لأن الاسم لا بد أن يكون ذا دلالة.

العرب حسين صالح [نُشر في 2017/01/31، العدد: 10529، ص(23)]

فجأة ودون سابق إنذار تتغير أسماء الأشياء. عاشت البشرية عصورا زاهية لا ينقصها شيء وهي تقول بومباي، مثلا. لا أعرف أحدا تضرر لأن هناك مدينة بهذا الاسم في الهند. وفجأة صار علينا أن نقول مومباي. كان اسم بومباي موفقا جدا ألفناه وارتحنا له وانتهى، لكن عبث فوضويي الأسماء لا يتوقف.

نشأت في بغداد، في العراق الجمهوري والناس تشير إلى شارع الكفاح على أنه شارع غازي. واضح أن الكفاح هو الاسم الجمهوري لشارع سمّي باسم الملك غازي في العهد الملكي. الناس لا تفارق المألوف بسهولة، وهذا جيد ولا اعتراض عليه، فالوفاء جميل.

زرت القاهرة في مطلع التسعينات من القرن الماضي وفرحت بالتمشي في شارع فؤاد. كل الناس تسميه شارع فؤاد رغم أن اسمه تغير منذ العام 1952، أي منذ أكثر من أربعين عاما إلى 26 يوليو، وهو تاريخ تنازل فاروق عن العرش ومغادرة مصر. الشعب لا يحمل وفاء للملك فؤاد ولا لابنه الملك فاروق لكن الإخلاص كله والوفاء للاسم. فليس سهلا التخلي عن اسم.

لندن هذه فيها عشرات الآلاف من الشوارع. تلاحظ أن ليس عندهم شارع ونستون تشرشل. عشرات الآلاف من الشوارع تحتاج إلى أسماء ولكن ليس هناك شارع معروف باسم رئيس الوزراء المرموق. ربما يكون هناك شارع مغمور باسمه، ولكني لا أعرفه. ونحن نتحدث عن تشرشل، الشخصية المهمة جدا والملهمة جدا، على الأقل بالنسبة إلى بريطانيا. والغريب بالنسبة إلينا أن صورته ظهرت على ورقة نقدية للمرة الأولى منذ شهور وأثار ظهورها استهجانا واضطر البنك المركزي إلى القول إن تشرشل حائز على جائزة نوبل للآداب أيضا وليس مجرد زعيم سياسي.

في بلادنا الدولة توزع أسماء الشوارع مثل النياشين وأنواط الشجاعة. ضابط يستشهد في معركة يصير هناك شارع باسمه. الناس لا تحب هذا العبث. ليس استخفافا بالشهداء والبارزين بل لأن الاسم لا بد أن يكون ذا دلالة. في إنكلترا هناك شوارع كثيرة في كل مدينة وقرية اسمها شارع الكنيسة لسبب واضح وبسيط هو أن فيه كنيسة أو أنه يؤدي إليها. وهناك شارع اسمه لندن في مدن كثيرة ويطلق هذا الاسم على الطرق التي تؤدي إلى لندن، فيصير شارع لندن هو طريق لندن حقا.

في أكثر من عاصمة عربية هناك شارع اسمه شارع الكهرباء. هذه تسمية يطلقها الناس وليست للسلطات يد فيها. في هذا الشارع تقع مصلحة الكهرباء التي يدفع فيها الناس قائمة أو فاتورة الكهرباء. ومن المؤكد أن السلطات تطلق عليه اسما آخر لشخصية تاريخية أو قيادية حالية أو اسم أي علم آخر، لكن الناس تدفع فاتورة الكهرباء في هذا الشارع، فيصير اسمه شارع الكهرباء، شاءت السلطات أم أبت.

ربما لهذا السبب لا يعرف ناسنا الأسماء الرسمية للشوارع. إصرار السلطات على الأسماء غير الوظيفية يجعل المجتمع يأخذ مهمّة تسمية الشوارع على عاتقه، ليطلق عليها في ما بعد أسماء ذات معنى ودلالة.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر