الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

هل كان الإمام الحسين شيعيا

هل كان الإمام الحسين شيعيا؟ وإذا كان كذلك، هو أو أبوه الإمام علي، فإلى أي مدى يرضى عن الجنوح بمصطلحي التشيع والشيعة نحو المعنى الديني العقدي المفسر لمتن الدين، لا الجوهر الإصلاحي أو الثوري.

العرب سعد القرش [نُشر في 2017/02/07، العدد: 10536، ص(9)]

تريحني الآية القرآنية “لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب”، فلا أسعى إلى إثبات واقعة تاريخية اعتمادا على “نص” مقدس، ولا أنكر على أحد إيمانه بأحد أو بشيء، أو اعتقاده بواقعة ولو أدخلها العقل في باب الاستحالة.

لمسيحيي مصر أن يؤمنوا بأن سمعان الخراز “الدباغ” نقل جبل المقطم، وللشيعة أن يؤمنوا بعودة الإمام الثاني عشر محمد المهدي “المنتظر” الذي يؤمن أهل السنة أيضا بظهوره في آخر الزمان، ولكن بعضا من علماء السنة يذهبون إلى أن المهدي أسطورة تريح كسالى يخيفهم كائن أسطوري آخر منحوه لقب المسيح الدجال.

وإذا استبعدنا ماضيا داميا صار حاضرا يفيض دموية، فلا يتفق الشيعة والسنة على شيء في المستقبل أكثر من المهدي المنتظر، نقطة التقاء نادرة بين فريقين يعتقد أحدهما بوجود المهدي حيا عابرا للقرون والألفيات.

لا شيء يضيرُ من ينكر عقيدة غيره أن يتقبل إيمان المؤمن بها، وأن يحترم هذا الإيمان. تستبعد دراسات تاريخية أي وجود تاريخي لرجل اسمه موسى عاش في مصر، ثم قاد قومه وأنجاهم من بطش الملك، ضاربا البحر بعصاه.

وتكتفي دراسات أخرى بتأويل توفيقي يحفظ للنص الوارد في العهد القديم والقرآن قداسته، وترجح أن الخروج ربما وقع في مكان آخر غير مصر، وهذا لا يخدش عقيدة يهودي أو مسلم، كما لا يسيء إلى مسيحيي مصر إنكار ما يُنسب إلى رجل صالح أنه حرّك جبل المقطم، فليس تحريك الجبل عقيدة مسيحية كما أن التشيع ليس جوهر العقيدة الإسلامية.

في فترات صعود “الدولة” لا تشغل العقائد أكثر من قلوب معتنقيها. كان الأسقف المصري ساويرس ابن المقفع كاتبا بارزا في الجهاز الإداري للدولة في عهد المعز لدين الله الفاطمي، وسجل في كتابه “تاريخ البطاركة” حكاية طريفة، في توثيقه لسيرة البطرك الثاني والستين للأقباط أبرام ابن زرعة السرياني (974 – 978م) صديق المعز.

وقد التمس البطرك أن تظهر على يدي رجل دباغ آية “لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل ولا يكون شيء غير ممكن لديكم”. وخرج المعز وأصحابه في جانب من الجبل، والنصارى والبطرك أبرام في جانب آخر، ووقف سمعان الخراز خلف البطرك “ولم يكن في الجمع من يعرفه إلا البطرك وحده”، وابتهلوا إلى الله ثم أمرهم سمعان بالسكوت، “وسجد على الأرض وسجدوا جميعهم معه ثلاث دفعات، وكل دفعة يرفع وجهه ويصلب يرتفع الجبل عن الأرض فإذا سجدوا نزل الجبل إلى حده، فخاف الملك المعز… حسبك يا بطرك قد عرفت صحة دينكم”، والتفت البطرك فلم ير القديس سمعان.

أردت أن أبدأ بالإمام الحسين، وأن أطرح السؤال الوارد في العنوان، فاقتحمني التاريخ، كما حاصرني الماضي أربعة أيام في البصرة، طوال انعقاد مهرجان المربد الشعري الثالث عشر (1 – 4 فبراير 2017)، حصارا لا فكاك منه، من المطار إلى قصائد الشعر الخليلي، مرورا بشوارع المدينة والحافلات والرايات السود وإعلانات الشوارع.

وإذا جاء “الحاضر” في جنوبي العراق على استحياء، يكون الماضي عنوانه، ففي المطار صندوق توضع فيه تبرعات شأن أغلب مطارات العالم، وفي العادة توجه التبرعات إلى مؤسسات أهلية ذات طبيعة إنسانية تسمو على الطيف الديني والطائفي في صورته اليقينية. أما هنا، في مطار البصرة فأنت مخير بين الصد الصامت والوفاء بالتزام ديني، ويعلو الصندوق سطران: “الأمانتان العامتان للعتبتين المقدستين الحسينية والعباسية”، “صندوق تبرع الحشد الشعبي المقدس”.

هل كان الإمام الحسين شيعيا؟ وإذا كان كذلك، هو أو أبوه الإمام علي، فإلى أي مدى يرضى عن الجنوح بمصطلحي التشيع والشيعة نحو المعنى الديني العقدي المفسر لمتن الدين، لا الجوهر الإصلاحي أو الثوري؟

في مصر حظيت السيدة زينب أخت الحسين بألقاب متعددة، أبرزها من فرط ارتباطه باسمها، وتقدمه على الاسم، صار جزءا منه، ويكفي لقب “السيدة” للدلالة على صاحبته. ويليق بالإمام الحسين أن يكون أبرز الثائرين في صدر الإسلام، ولم تكن ثورته ذات طابع شيعي ولا أظنه فكّر على هذا النحو؛ فالثائر الصادق ذو دعوة إنسانية لا تصنف الناس، والأخطر أن تتحول أو تستثمر في تصنيف لا بد أن يستنكره الإمام نفسه، ولن يرضيه انتشار رايات سود ترحب بقدومه إلى العراق الآن، في استدعاء للحظة وفاة معاوية، وعقد اجتماع في منزل سليمان بن صرد الخزاعي بالكوفة، وكتابة رسالة إليه بالقدوم.

يسقط من هذا السياق القارع لطبول الحرب القديمة تحذير عبدالله بن عباس للإمام، قائلا إن أهل العراق “إنما يدعونك إلى الحرب، ولا آمنهم أن يخذلوك كما خذلوا أباك وأخاك”. كما يتم تجاهل اعتراف الإمام بخذلانهم له، بعد أن أبلغوه “أن لا إمام لهم، ويسألونني القدوم عليهم، فوثقت بهم، فغدروا بي، بعد أن بايعني منهم ثمانية عشر ألف رجل”.

استهدفت الدعوة إذن تحرير المسلمين من حكم ملكي وراثي لا يمثل، على الإطلاق، فريقا اسمه “السنة”. وما كان خروج الإمام إلى العراق تحت راية التشيع الديني، ولا اتخذ تأويلا فقهيا يختلف عما يراه عموم المسلمين.

لم تكن الثورة شيعية بالمعنى الفقهي والمذهبي، وبتقادم الزمن تم استبعاد جوهرها الإنساني، وقد حمّلت نهايتها التراجيدية من صار اسمهم “السنة” ذنب تسديد أثمانها الفادحة، نفسيا على الأقل.

ولا يوجد لمعاوية ويزيد وأولاد مروان ورثة يقتص منهم، وهكذا يستمر النزيف إلى أجل غير معلوم، حتى لو صار الضحايا التاريخيون حكاما، فإن أخطر أنواع الثأر ما يجري على أيدي ضحايا تسربت إليهم عدوى الاضطهاد. ولا خروج إلا بعقد اسمه “الدولة” التي دينها القانون.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر