السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

الرخام مسرح أشخاص يحضرون غائبين في البياض

  • تستكمل المصورة اللبنانية لارا زنكول مسيرتها في التصوير الفني/المفاهيمي وتعرض أعمالها الجديدة في صالة “أيام” البيروتية تحت عنوان “باردة برودة الحجر الأبيض”، المعرض هو الثالث لها والذي تحاول فيه التعبير عن فكرة الجليد بشكل عام وتبلّد المشاعر الإنسانية بشكل خاص.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/02/10، العدد: 10539، ص(17)]

نهاية حتمية غير موجعة

بيروت – تقول الفنانة اللبنانية لارا زنكول عن معرضها الأخير المعنون بـ”باردة برودة الحجر الأبيض” والمقام حاليا في صالة “أيام” البيروتية، أن فكرته تشكلت أثناء إقامتها في إيطاليا، حيث تعرفت بشكل عميق على الفن الإيطالي، لا سيما فن النحت، خلال فترة النهضة الذهبية.

اكتشفت مقالع الرخام الأبيض في بلدة كرارة وتفرجت على صور ماتيو باسيلي الذي تأثرت بأعماله السريالية، وتؤكد قائلة إن معرضها هذا يعبر عن “طبيعة التواصل الإنساني في عالم تغلبت عليه الصبغة الفردانية والحياة الافتراضية وحب الأنا، وأنه بخلاف ما يستحضره الرخام الأبيض من تاريخ فني إيطالي عريق، أبرزها منحوتات مايكل أنجولو التي جسدت التصوّرات المثالية لشكل الإنسان، فإني أرى في مقالع الرخام التي زرتها انعكاسا مختلفا، بالنسبة لي بإمكانه أن يرمز إلى الانحدار نحو حالة افتقار الإنسان إلى الإحساس بالدفء والألفة”.

من الواضح طغيان حضور الرخام الأبيض في الصور والأوضح من حضوره أسلوب الفنانة/المصورة في تشكيل المشاهد التصويرية بتكلّف شديد، يذكر بديكورات مسرح معاصر مما لا يخدم بشكل فعلي إيصال الأفكار التي أرادت التعبير عنها.

يبدو أن لارا زنكول تشتغل على موضوعات معرضها من مسافة عاطفية هائلة، إذ يغلب التصميم الخارجي للمشاهد على أي بنيان داخلي/نفسي، هو ضروري للتعبير عن الأبعاد الفكرية والنفسية التي أرادت التعبير عنها.

من اليسير على زائر المعرض أن يعثر على التقارب الشديد ما بين عالم لارا زنكول ومشاهده المركبة بدراية كبيرة، والحفلات التي تستعرض خلالها مجموعة أزياء جديدة أو “صرعات” جديدة لا تأخذ عين المشاهد إلى أبعد مما هو ظاهر أمامه للوهلة الأولى.

في بعض الصور تكثر الحركات الجسدية المتكلفة التي تقدمها الشخوص، تنوعات حركية تصلح لدراسة ما أو لأن تكون بداية لخطوات راقصة لبالي كلاسيكي يحتفل فيها الشخوص بكلسية المكان، ولكن بهدوء ورتابة لا تصدعهما أي فكرة بائسة.

تماما كما يعلن عنوان المعرض عن ذاته بمباشرة قصوى لا تحتمل أي تأويل “بارد برودة حجر أبيض”، كذلك يعلن مضمون العرض عن برودة تتكلم عن برودة.

برودة يصعب معها العثور على الأفكار التي أرادتها المصورة أن تكون مطروحة، لا حضور بصريا لها لكي يُقال عنها إنها موضوعة تحت المجهر.

ما ينقص المعرض، ذلك التورط العاطفي الذي يبث الحياة في الأعمال حتى تلك الأكثر بياضا وفراغا وتكلفا

ما يطغى على الصور هو انسجام هائل ما بين “الموديلات” البشرية والمكان الذي تعيش فيه؛ إن الأشخاص في مكانهم المناسب المرغوب فيه والذي لا يريدون التخلص منه.

بعد أن استعانت لارا زنكول بأحواض الماء في معرضها السابق الذي حمل عنوان “الغائب”، لتعبر عن فكرة المعايير المزدوجة في المجتمع بشكل عام والمجتمع اللبناني بشكل خاص، وقد برعت في ذلك، استخدمت هذه المرة الرخام الأبيض كمسرح لشخوصها الحاضرة/الغائبة واللامبالية بما يحدث أو ما لا يحدث لها حتى كادت تتماهى مع الرخام.

يُذكر أن الفنانة تقيم في بيروت، حيث نالت شهادة تخرج في مجال الاقتصاد من الجامعة الأميركية في بيروت، وشاركت منذ بداية مسيرتها الفنية التي انطلقت عام 2008 في عدد من المعارض وورشات العمل في الشرق الأوسط وأوروبا، كما نالت سنة 2011 جائزة المسابقة الأولى من نوعها لمبادرة “شباب أيام” للتصوير الفوتوغرافي.

أقامت معارضها الفردية الثلاثة في غاليري “أيام” الذي تبنى أعمالها وأطلقها في عالم التصوير الفني الرفيع المستوى، كما شاركت الفنانة/المصورة أيضا في معارض مشتركة من أهمها “هايست” في المملكة المتحدة، وفي النسخة الثالثة لمهرجان فوتوميد في فرنسا.

ليس العلماء البريطانيون فقط هم الذين توصلوا إلى نتائج تثبت أن كوكب الأرض يشهد بداية عصر جليدي جديد، كذلك فعلت المصورة/الفنانة، ولكن مع اختلاف كبير؛ ففي حين أن العلماء تكلموا عن هذا العصر الجليدي ككارثة يجب التنبه لها وربما محاولة عكس تسارعها، قدمت لارا زنكول عصرها الجليدي بشكل مخفف وكنهاية حتمية غير موجعة، حيث انتشر الخدر اللطيف وأصاب جميع “المواطنين”.

في صور أخرى ظهرت الشخوص في ما بينها في حالة تقارب حميمي من نوع آخر ومن زمن آخر ينقصه الدفء، دون أن يكون ذلك دليلا على أي خلل وجب تجنبه أو تصحيحه.

تقارب استثنائي في ما بين الأشخاص قد نحسدهم – نحن المشاهدين- عليه، لأنه منسجم كليا مع محيطهم الخارجي وغير مُسبب لأي نزاعات أو نوبات قلق على المصير، لا بل تبدو بعض الصور تأكيدا على انعدام تام للشعور بالوحشة، أما فكرة الغربة ففكرة مستحيلة لا يعرفها الأبيض، كما لا يعرف مذاق النسيان أو الشوق لما كان قبل أن يحل الأبيض.

جبال الرخام الشاهقة والبيضاء كفيلة بأن تحتضن هؤلاء، أي المواطنين البيض المتشابهين حتى من الناحية الجسدية، وإن ارتدى بعضهم ملابس سوداء من موسلين رقيق.

لا خوف عليهم وقد نجوا ربما من إنسانيتهم ومن كل ما نعانيه نحن في العالم المعاصر من مشاكل وتناقضات في الفكر والتصرفات، هم في معظم الصور يعلمون بأنهم يقدمون مشهدا للتصوير، وأنهم خلال تقديمهم لهذا المشهد ينتظرون مجيء اللحظة التي ستقول لهم المصورة فيها “شكرا على هذه الوضعية، كانت ناجحة تماما، بإمكانكم أن تستريحوا الآن”.

لا شك في أن الفنانة تتمتع بعين فوتوغرافية مهمة ومعرفة واسعة، وقدرة على استخدام التقنيات المتاحة أمامها، غير أن ما ينقص ربما في هذا المعرض، هو ذلك التورط العاطفي الذي يبث الحياة في الأعمال حتى تلك الأكثر بياضا وفراغا وتكلفا.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر