الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

ما يستحق الحياة

في أماكن أخرى من بيروت رسمت ظلال على الجدار لهدف آخر لا يقل أهمية عن أهداف الظلال الأخرى، فقد أوجدها رساموها لتشكل وهم اختراق يوازي أهمية صلابة الجدار ذاته.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/02/10، العدد: 10539، ص(17)]

يسهل على المتجول في مدينة بيروت أن يلاحظ تكاثر الغرافيتي، وبشكل خاص الخربشات التي تكاد تكون ظاهرة تصور ظلالا لأشخاص أو لكلمات مقتبسة.

إحدى البلديات عمدت إلى طلاء الكتابات الموجودة على العديد من جدران المدينة بحجة أنها تشوهها، على أحد هذه الجدران كان مكتوبا بشكل يماهي هيئة الظل أحد الأبيات الشعرية للشاعر محمود درويش “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”.

كان أسلوب الكتابة الذي يقارب الشبحية يضيف عمقا آخر لكلام الشاعر، لأنه يرده إلى لامادية الأشياء الفانية والمتأثرة بالزمن وتغير الملامح المكانية.

بعد عدة أيام على طلاء الجدار، عادت كلمات الشاعر إلى “الظهور” وفي نفس الموقع وكأنها تقول للناظر الذي افتقدها إن الظلال كما الأفكار الحقّة غير قابلة للاختفاء، وإن تحت وقع ضربات الفرشاة المشبعة بالطلاء.

بالتوازي مع هذا الشكل من الكتابات “الشبحية” برزت في شوارع أخرى من المدينة رسومات تعطي أهمية أقل للأشكال مما تعطيه لظلالها، الكثير من تلك الظلال رُسمت على الأرض لتعطي بعدا ثالثا لرسم طبع على الجدار الملاصق لها.

نذكر على سبيل المثال الرسم الجداري الذي استوحت فكرته من نظرية تشارلز داروين لتطور الإنسان، في الرسم يتطور الإنسان من صياد طرائد بهدف الطعام أو الدفاع عن النفس من الحيوانات المفترسة، إلى قاتل منتصب القامة يمشي مختالا وهو محمّل بشتى أنواع الأسلحة الفتاكة.

في أماكن أخرى من بيروت رسمت ظلال على الجدار لهدف آخر لا يقل أهمية عن أهداف الظلال الأخرى، فقد أوجدها رساموها لتشكل وهم اختراق يوازي أهمية صلابة الجدار ذاته.

هناك أعمال بسيطة أخرى تقوم على مبدأ التخفيف من مصداقية ارتباط الظل بالنور، ليس بهدف التحامل على النور الطبيعي أو غير الطبيعي، بل بهدف إثارة الفضول حول مظاهر الحياة التي نعيشها والتي نعتبرها غير قابلة للمُساءلة.

يظهر ذلك على سبيل المثال في سلسلة من الظلال المرسومة على الجدران لأشجار “حقيقية” على أحد طرفي شارع في منطقة الأشرفية من مدينة بيروت، فمهما تغيرت وجهة الشمس أو غابت تحت غيمة من الغيوم تبقى ظلال الأشجار حاضرة ومرافقة للأشجار وكأنها هي نسختها الأصلية، بينما تتعرض الأشجار إلى عوامل التعرية الفصلية، وأعمال التقليم السنوية التي تفقدها الكثير من أغصانها.

هناك أيضا في شارع بليس من منطقة بيروت شكل وجه لا يظهر على أحد الجدران، إلا عندما تنخفض الشمس إلى مستوى معين فتُظهر الموجود دائما والذي لا يظهر إلا.. للحظات قليلة من كل نهار مُشمس.

طبعا، يمكن إدراج ذلك النوع من التعبير الفني الذي يؤثر الظلال على مصادرها من ضمن الانحلال المتعاظم للحد الفاصل والقاطع ما بين الواقعي والخيالي.

في مكان غير بعيد عن لبنان هناك عمل غرافيتي على جدار مدرسة “بيت حانون” التابعة لهيئة الأمم المتحدة في شمال قطاع غزّة، يجسد ظل تلميذ فلسطيني يتقدم في خطى واثقة في القمر أو ربما بمحاذاته، والأهم من هذا العمل هو الصورة الفوتوغرافية التي أُخذت له فجمعت شمل كل ما ذكرناه آنفا عن قوة الظلال.

ما ميز هذه الصورة أنها التقطت للجدارية في اللحظة/التحفة التي مر فيها تلميذان فلسطينيان الواحد أمام الآخر، بالقرب من صبيّ الجدار “القمري”.

في العمل الغرافيتي الأصلي، وبالتالي في الصورة الفوتوغرافية له حضرت أيضا كلمات الشاعر محمود درويش لتضاعف من مصداقية الحضور الذي يعاند الزمن والتبدلات الجغرافية، لأنه يؤمن بأن “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر