الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

'أبناء الغيتو' شهرزاد معاصرة تروي مآسي الفلسطينيين

  • تتعدد صنوف الروايات التي تنقل التاريخ البعيد أو القريب، وتختلف الأساليب في تناول الأحداث، خصوصا إذا كان الموضوع مستهلكا ومتداولا بين العديد من الكتّاب، ولعل صورة فلسطين اليوم بما تعانيه من مآس قد احتلت المساحة الكبرى من اهتمام أقلام أسماء عديدة ساهمت في نبش الماضي ورسم لوحاته المريرة، ورصد الواقع المرتبط بالكثير من العوامل التي أثّرت في نحت سير متعددة للمكان الواحد.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2017/02/15، العدد: 10544، ص(14)]

آدم الفلسطيني يمزق خيط الصمت (لوحة للفنان بهرام حجو)

تبدو العلاقة الاستعارية في رواية “أولاد الغيتو-اسمي آدم” للكاتب اللبناني إلياس خوري، ماثلة مبنى ومعنى مع حكاية الشاعر العاشق وضاح اليمن، لكن إذا مات وضاح في صندوق حكايته، فإن بطل وراوي حكاية خوري يكتب لأنه يريد أن يخرج من صندوق تلك الحكاية لكي يرويها من جديد وهو يحاول أن يملأ ثقوبها من خلال ذاكرات من عاشوا فصول تلك التراجيديا الفلسطينية.

أما على مستوى المبنى فالكاتب الذي يتحدث عن غوايات شهرزاد للحكي في نهاية الرواية يقيم علاقته الاستعارية معها من خلال هذا التناسل الحكائي في الرواية، والذي يتجاوز العلاقة الاستعارية مع حكاية وضاح اليمن حيث توالد الحكايات كما يقول بطله يقابله توالد المآسي التي عاشها الفلسطينيون عند اغتصاب وطنهم على الرغم من محاولته نفي علاقته بشهرزاد، لأن على الحكايات كما يقول بطله “أن تنبجس كما تشاء وتأخذ مساراتها كما تريد”.

رمزية الشخصية

يتحول آدم في هذه الرواية، الصادرة عن دار “الآداب”، في بيروت، إلى رمز للفلسطيني وتتحول الكتابة إلى مرايا للألم الكبير الذي عاشه الفلسطينيون، لكنه الألم الذي يراه ماثلا في فقدانه للتاريخ بعد أن فرض على الضحية أن تصمت طويلا. لكن الضحية التي حاولت أن تتكلم وجدت مشكلة في التعرف إلى ذاتها واستعادة حكايتها “أرهقني العمل على تأليف نفسي لكنه والحق يقال كان عملا ممتعا”.

تصبح الكتابة هنا فعلا لاكتشاف حقيقة ذات البطل، كما تغدو العلاقة الاستعارية بين حكايته وبين الحكاية الفلسطينية الكبرى مدخلا لكي تتعرف شخصية الإنسان الفلسطيني إلى ذاتها، بعد أن تعددت الأسماء التي حملتها وجعلت هويتها تلتبس عليها، كما يظهر ذلك من خلال تعدد الأسماء التي أطلقها الناس عليها، إذ سمى مأمون البطل الذي وجده أثناء الخروج الكبير من اللد على صدر أمه الميتة تحت شجرة الزيتون باسم ناجي لأنه كان الوحيد الذي نجا من تلك المذبحة، بينما سماه سكان الغيتو آدم لأنه أول مخلوق يولد في هذا الغيتو، وسماه الآخرون حسن على اسم والده الذي لا يعرف عنه شيئا، وقيل إنه استشهد عندما كان يقاتل مع أبوعلي سلامة للدفاع عن اللد.

لكن الكاتب الذي اختار اسم آدم وجعل منه عنوانا ثانيا للرواية، كان ينطلق من دلالات هذا الاسم وبعده الرمزي في حكاية الفلسطيني، لأن اسم آدم يأتي من أديم الأرض والأرض هي جوهر القضية الوجودية للفلسطيني في معركته مع الاحتلال، كذلك طرد آدم من وطنه كما طرد آدم من جنته السماوية. وكما يتجلى البعد الرمزي في دلالة الاسم يظهر مرة ثانية في نجاة البطل من الموت، حيث حاولت العصابات اليهودية عند احتلالها لأرض فلسطين أن تقضي على هذا الوجود وأن تطمر حكاية الضحية الفلسطيني تحت غطاء حكايتها كضحية في معسكرات الإبادة الألمانية أمام العالم.

البطل يعيش محنة الواقع ويحمل تناقضاته معه ويهرب من ذاته ويبحث عنها في الوقت نفسه وسط تغييب قضيته

تتجاوز العلاقة الاستعارية للرواية علاقتها بحكاية وضاح اليمن وشهرزاد إلى علاقة هذا المبنى الحكائي بحكاية أخرى يستعيدها ويروي من خلالها حكاية الموت والألم الفلسطيني، فحكاية وضاح وموته في الصندوق الذي خبأته فيه حبيبته، تستدعي حكاية أبطال رواية غسان كنفاني “رجال في الشمس” الذين ماتوا أيضا اختناقا في صندوق صهريج الماء عندما نسيهم مهربهم سائق الصهريج في النقطة الحدودية بين الكويت والبصرة. كذلك تستدعي مشاهد مجزرة اللد مشاهد مجزرة صبرا وشاتيلا، وقبل هذا تستدعي حكاية عشق وضاح حكايات العشاق العرب في التراث. لكن الكاتب الذي وجد نفسه يخرج من صندوق حكاية وضاح اليمن عندما عجز عن إكمالها يجد نفسه يدخل حكايته لكي يجيب على سؤال من أنا، بل لكي يعمل على ترميم حكايته التي هي حكاية الألم الفلسطيني، بل لكي يقوم بترميم حكاية هذا الألم من خلال ذاكرات من عايشوا فصول هذه الحكاية وما زالوا على قيد الحياة، لكي لا تموت الحكاية كما مات وضاح اليمن مع حكايته.

هكذا تتوالد الحكايات وينداح السرد في هذه الرواية التي يلغي فيها الكاتب المسافة بين السارد والمتلقي من خلال استخدام ضمير المتكلم الذي هو بطل الحكاية وكاتبها في آن واحد. وكما تلتبس على آدم حكايته فإن وصوله إلى بداية الحكاية يقوده “إلى استعادة كل شيء نسيته والبداية كانت الغيتو”. لكن حكاية الغيتو تبدأ مع المجزرة التي ارتكبتها عصابات البالماخ الصهيونية، ولذلك تقوده حكاية المجزرة إلى أن يجمع مزق حكاياتها “كما كان مأمون يجمع أشلاء الضحايا في ليل الغيتو الطويل، وأن أرسم خارطة الألم كما ارتسمت على وجه منال أمي”.

مرايا المكان

رحلة البحث عن الهوية

وكما يحيل الاسم على علاقة الفلسطيني بالمكان، كذلك تتخذ علاقة بطل الرواية مع المكان في هذه الرواية بعدا مرأويا، شبيها بما تتخذه الكلمات عندما تصبح مرايا للكلمات والحكايات مرايا للألم. في هذه العلاقة يكثف معاني الوجود لهذه الذات الضائعة في غربتها وفي بحثها عن ذاتها، حيث كانت روحه تتكسر على زجاج النافذة التي تحولت إلى مرآة له، في وحدته مع ثلج هذه المدينة الغريبة الذي ينهمر. إن فقدان بطل الرواية لأرضه وتحوله إلى غريب فيها سوف يظهر في كثرة تنقله بين أماكن مختلفة كانت نهايتها في نيويورك لأنه كما يقول “كان لا بد من استبدال المكان بمكان آخر كي أستطيع أن أنتهي”.

لكن بطل الرواية الذي كان عليه ألا يكون كي يكون تتحول محاولة قتله وتغييبه دافعا لتأكيد وجوده والدفاع عنه “لذلك أريد للحكاية أن تنطق على يدي” بعد أن ظلت تلك الحكاية خرساء زمنا طويلا. وعلى الرغم من أن الكاتب يستخدم فعل السرد التقليدي “قال الراوي” مرات عدة إلا أنه يلغي التقسيم التقليدي للرواية عندما يمنح أجزاءها عناوين خاصة بها. كذلك ينقل عتبة الرواية من البداية إلى نهاية الرواية للدلالة على حكاية الإنسان الفلسطيني الذي مازال مهددا في وجوده وحياته مازالت مفتوحة على بدايات أخرى ستضاف إلى فصول هذه المأساة الطويلة طالما أن المحتل ما زال مصرا على مواصلة احتلاله وعدم الاعتراف بحق هذا الشعب في أرضه وصنع مستقبله.

ثمة علاقات استعارية أخرى يمكن لقارئ الرواية أن يجدها في متن الحكايات هي العلاقة بين غيتو وارسو وغيتو اللد كناية عن الغيتو الفلسطيني، لكن المفارقة هنا أن الضحية في الغيتو الأول هو من يرتكب الجريمة بحق الفلسطينيين في الغيتو الثاني تحت غطاء الضحية، التي تحول الفلسطيني إلى ضحية لها. لقد حول ضياع الوطن حياة آدم إلى حالة ضياع دائم سواء على مستوى علاقته بالمكان أو علاقته بالمرأة أو حتى علاقته بالحكاية وكتابة حكايته “ضاعت مني الرواية لحظة اعتقدت أنني وجدتها. هكذا تضيع الأشياء وهكذا ضاعت دالية المرأة التي اختفت من حياتي لحظة اعتقدت أنه آن لي أن أكتب حياتي في عينيها”، بل إن هذا الضياع يطال معرفته لنفسه عندما يكتشف أنه لا يعرف من يكون، ولذلك يسأل نفسه “هل أنا ابن الحكاية”.

لكن الحكاية في رواية “أولاد الغيتو” تقود آدم لا إلى معرفة ذاته بل لكي يروي تراجيديا الاقتلاع من الوطن والمجازر التي ارتكبت بحقه للقضاء على وجوده، ما يجعل الكتابة تتجاوز إدانة القاتل لتعيد كتابة تاريخ هذا الوجود وصموده في وجه تلك الجريمة التي ما زال العالم ساكتا عنها.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر