الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

'أن تملك وألا تملك' وليمة الدم حين تريد عبور قمم الجبال بسيارة

ليس الصراع قدرا بين صياد وسمكة، ولكنه اختيار بشري يبلغ حد المخاطرة بالحرية، أو فقدان ذراع، أو مغادرة الحياة نفسها.

العرب سعد القرش [نُشر في 2017/02/19، العدد: 10548، ص(12)]

في هذه الرواية لهيمنغواي نجد البذور الأولى للشيخ والبحر

لا أظن عملا أدبيا ازدحم بهذا العدد من الضحايا الذين دفع بهم إرنست هيمنغواي إلى روايته «أن تملك وألاّ تملك». في مشاهد مرسومة بدقة، وبأقلّ قدر من الكلمات، تأخذك الأحداث فتحبس الأنفاس. هنا لا يجري الصّراع بين حوت وصياد شيخ في عرض البحر، وإنّما يتسع مسرح الدم ليشمل شوارع ومقاه وبارات، ويمتدّ إلى ظلمات البحر أيضا، على ظهر زوارق التهريب، وتكون وحشية الحيتان أقل من شرور تجعل القتل سلوكا بشريا لا يثير الدهشة، عندما يتصارع الفقر والحب والجشع والسطو المسلح والثورة والفجيعة، في تراجيديا منذور أبطالها للموت، وهم يواجهون أقدارهم بشجاعة، في عالم خال من الرّحمة، ويمارسون القتل بحياد من يتناول وجبة غذاء ويُبعد طبقا لا يعجبه، كما يزيح عدوّا من طريقه فيقتله بدم بارد.

قلت إن عليّ أن أحصي عدد القتلى، فلم أستطع مواصلة الإحصاء، شوشت مشاهد الدم ذاكرتي كما منعتني أن أتذكر عدد ضحايا كوينتن تارانتينو في فيلم «Django Unchained 2012». ولم أشاهد فيلم «To have and have not» الذي أنتجته السينما الأميركية عام 1944، لكي أرى ماذا فعل همفري بوجارت الذي جسد دور هاري مورجان بطل الرواية.

ويبدو أن رواية «أن تملك وألاّ تملك» أصابتها -في العالم العربي- لعنة حظها الوافر، المبكّر المؤقت، بعد صدورها عام 1937، فسرعان ما طغت عليها أعمال أخرى، أكثر شهرة، لهيمنغواي(1899 ـ 1961).

وبعد فوزه بجائزة نوبل عام 1954 أصبحت رواية «العجوز والبحر» دليلا عليه، تعرف به وتشير إليه، وتبارى في ترجمتها مترجمون من أجيال مختلفة، فتعددت ترجماتها وتباينت، وعرفت مصريا بعنوان «العجوز والبحر»، واستقرت عربيا «الشيخ والبحر». وعقب انتحار هيمنغواي عام 1961 ترجم نورالدين مصطفى «To have and have not» وصدرت للمرة الأولى في أكتوبر 1961 في سلسلة روايات الهلال بالقاهرة، وإن حملت عنوان «المهرّبون»، وظلت شبه مجهولة أو غائبة عربيا، إلى أن أعادت السلسلة نفسها إصدارها بعنوانها الأصلي «أن تملك وألاّ تملك».

الصراع هنا لا يجري بين حوت وصياد شيخ في عرض البحر، وإنما يتسع مسرح الدم ليشمل شوارع ومقاه وبارات، ويمتد إلى ظلمات البحر أيضا، على ظهر زوارق التهريب، وتكون وحشية الحيتان أقل من شرور تجعل القتل سلوكا بشريا لا يثير الدهشة، عندما يتصارع الفقر والحب والجشع والسطو المسلح والثورة والفجيعة

في هذه الرواية، يسهل العثور على بذور «العجوز والبحر».. أفق السماء في محيط موحش، والفقر عدو الصيادين وقدرهم، وركوب الزوارق والأخطار، وكيفية وضع الطعم في السنارات بطريقة تحول دون انزلاقه، والاحتفاظ «بنهاية القصبة في الفراغ المعدّ لها أسفل المقعد، وبذلك لن تكون ثقيلة عليك، واترك الحبل مرخيا حتى يمكنك جذبه حين تغمز، لأنه لو أطبقت السمكة على الطعم والحبل مشدود فستقذف بك إلى البحر»، وكذلك الرغبة في دخول «معركة مع السمكة»، وأنواع مختلفة من الأسماك منها ذات رأس ضخم وجسم في طول أكبر منشار لقطع الأخشاب، والسمك الطيار الضخم ذو الأجنحة السوداء، وسمك التونة بقفزاته الراقصة من الماء عائدا إليه، وسمك المارلين الأسود الذي لا يمكن لرجل بمفرده أن يخوض معه معركة؛ فهو «سمك ضخم جدا، إن صيده نوع من العقاب. سمكة مثل هذه في استطاعتها قتلك». ولا يخلو الأمر من تفاصيل ستحتل مساحة أكبر في أعماله اللاحقة، مثل ملاحقة سمكتين كبيرتين للغنيمة، وهما «تسبحان حول المركب.. يبدو أنهما لم تكونا قد اكتشفتا الوليمة.. جلطات الدم المتساقطة من الثقوب السفلى في المركب فاتجهتا إليها. وبعد أن شبعتا، انصرفتا».

ليس الصراع قدرا بين صياد وسمكة، ولكنه اختيار بشري يبلغ حد المخاطرة بالحرية، أو فقدان ذراع، أو مغادرة الحياة نفسها، ففي عمليات تهريب البشر والمخدرات والأموال المسروقة بين الولايات المتحدة وكوبا، يكون الخيار بين السجن والموت، مقامرة تخسرها الأطراف كلها، وقلما ينجو أحد.

مغامرة الشاب هاري مورجان -الذي عمل سابقا في قوة الشرطة بميامي- تبدأ باتفاق رابح، يهرّب بموجبه في زورقه اثني عشر صينيا، ويساومه سنج الصيني بادئا التفاوض بخمسين دولارا للرأس، ثم يعرض مئة دولار للقطعة. صفقة تسلب البشر أسماءهم وآدميتهم، تشيّئهم قبل شحنهم، فيخضعون لمشيئة المهرّبين، وهؤلاء بدورهم يقومون بهذه المهام غير القانونية فيعرضون أنفسهم للقتل، أو السجن عشر سنوات إذا قبض عليهم أو وشى بهم أحد، مثل سنج نفسه.

يصحب هاري مورجان صديقه إدي مارشال لإنجاز المهمة. لا يصلح إدي مارشال لمثل هذه المغامرة، ولا يدعوه إليها هاري؛ لأنه سكير عجوز لا تفارقه زجاجة الجعة، ولا يحسن التصرف إلا بعد تناول الشراب، ويصر على أن يكون بصحبة هاري، كما يصر أيضا على أنه «رجل عظيم». ولا يلوم هاري -الذي يرى أن «الله يرعى السكارى»- صاحبه العجوز على سكره، ويأمره بمراقبة سنج الصيني حين يعطيه النقود، بعد التقاط الرجال الصينيين وصعودهم إلى الزورق بمساعدة صبيّ كوبيّ، ثم الاندفاع بالمركب. وحين وضع سنج يده في جيبه ومد يده بالنقود إلى هاري، سارع إلى جذبه من معصمه والنقود في يده، «وبينما كان يندفع تجاه مؤخرة المركب أطبقت على عنقه بيدي الأخرى، وشعرت بالمركب يبدأ في الحركة ثم يتخذ طريقه.. استطعت أن ألمح الصبي الكوبي يقف في القارب ممسكا بالمجداف، بينما أخذنا نبتعد رغم كل الانتفاضات التي كانت تصدر عن مستر سنج، كان ينتفض ويتأرجح أسوأ من سمكة دولفين ضخمة. وأمسكت بذراعه.. لويتها خلف ظهره، وضغطت عليها، ويبدو أن الضغط كان أشد مما ينبغي لأني أحسست بذراعه تتحطم، وصدرت من الرقبة ضوضاء سخيفة، واندفع إلى الأمام، وبينما أنا أقبض على رقبته عضني في كتفي، فأمسكته من رقبته بكلتا يديّ، وضغطت عليه فركع على ركبتيه، ووضعت إبهامي على حنجرته، ولويت الرقبة كلها إلى الخلف حتى تحطمت».

رائعة هيمنغواي

هكذا تمكن هاري من قتل سنج، وقذفه في الماء. لم يرمه على الفور، بل ألقى جثته عند مؤخرة المركب، غير مبال بضوضاء صادرة من الكابينة حيث حبس الصينيين. وربط قطعتي حديد في عقبي القتيل، وعلى مسافة بعيدة عن الشاطئ رماه، وتعفف عن تفتيش جيبه؛ لأنه يكرهه، ونظف آثار دماء نزفها سنج من فمه، وقدم إلى إدي تفسيرا لما جرى، قائلا إنه قتل سنج لمنع قتل اثني عشر صينيا. ثم اقترب من الشاطئ وأمرهم بالخروج، وأعادهم تحت تهديد الرصاص إلى شاطئ كوبا، ورجع إلى بيته آسفا على عضة سنج، وتساءل عما إذا كانت عضة الصيني سامة؟

وفي محاولة لتهريب شحنة من الخمور تصاب ذراع هاري اليمنى، ولا يجدي علاجها فيفقدها، ولا يمنعها بترها من الاستمرار في أعماله، وهو يثبت مكانها خطافا. ولكنه لا يفقد لياقته وينساق وراء قدره. قبل رحلة مشؤومة بصحبة صديقه ألبرت، سمع ضوضاء فانتبه إلى رجل يسرع خارجا من البنك حاملا بندقية ثم يختفى، ولحق به رجلان يحملان حقيبتين، ومع كل منهما بندقية، وتبعهم رابع أغلق الباب وراءه وتلفّت حوله، وشرع بندقيته سريعة الطلقات. صعدوا إلى المركب وأمروه بالإبحار، ونصحه ألبرت ألا يتحرك، وأخبره أنهم لصوص البنك، فعاجله كبيرهم روبرتو بثلاث رصاصات في صدره، والتفت القاتل الكوبي إلى هاري «أنت لست في حاجة إلى زميل»، وهدده بالقتل لو رفض الإبحار.

اعتذر أحدهم عن قتل ألبرت؛ فروبرتو «يقتل من أجل هدف نبيل.. من أجل أنبل الأهداف»، والمال ليس لهم، «وإنما هو ملك لهدفنا الكبير». ويأمره روبرتو أن يساعده في التخلص من جثة ألبرت، ويحتال هاري ويرفس البندقية سريعة الطلقات من فوق حافة المركب، فتنزلق مع الجثة، وكاد روبرتو يقتل هاري عقابا على فعلته لولا احتياجهم إليه؛ للمراوغة في البحر لكي يصل بهم إلى كوبا التي فيها الكثير من البنادق سريعة الطلقات.

يسمع هاري كلاما عن «ثورة»، فيسأل ويجيب أحد اللصوص «نحن الحزب الثوري الوحيد الصادق. نحن نريد إبعاد جميع الساسة المنحرفين، وإبعاد صور الاستعمار الأميركي التي تقيدنا. نريد أن نبدأ من جديد، ونتيح الفرصة أمام كل إنسان، نريد أن نلغي استعباد الفلاحين، ونوزع مزارع السكر الضخمة على العمال.. ولكننا لسنا حزبيين، إننا وطنيون.. الآن نجمع الأموال، استعدادا للمعركة.. من أجل هذا الهدف، نلجأ إلى وسائل لن نستعملها في المستقبل».

ولكن هاري رغم الظلام يستغل مهارته في التصويب، وينتقم لصديقة ألبرت، ويقتلهم إلا أن أحدهم يتمكن من إصابة هاري برصاصة في بطنه، وحين يشعر بانسحاب روحه، يتأكد له أنه قضم لقمة أكبر من قدرته على مضغها، ويفكر في حقيبتي النقود، وفي زوجته ماري، وأخيرا يستسلم لقدره. وفي الصباح، حين يعثرون عليه لا يستطيع الإجابة عن أيّ سؤال، كان يهذي ولم ينطق بجملة مفهومة، إلا هذه الكلمات التي قالها باندفاع «وكأنك تريد أن تعبر قمم الجبال بسيارة، هذا ما يحدث في طريق كوبا».

روائي مصري

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر