السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

وهج العودة

إذا ما تصفحنا المواقع الإلكترونية فسنلحظ عودة تمثال الحرية من سباته التاريخي إلى حيوية الحاضر، عاد عبر الأعمال الفنية التي صورته حينا في حالات تناقض مع جوهره.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/02/24، العدد: 10553، ص(17)]

عندما كنت في الثالثة عشرة من عمري، ألصقت على نافذة غرفتي صورة كبيرة لتمثال الحرية، كنت يومها مأخوذة كالعديد من أقراني بما يمثله هذا التمثال من يوتوبيا بعيدة عن الإحساس بالاختناق والمكوث القصري في المنازل بسبب الأحداث اللبنانية.

يومها كانت الأغاني والأفلام والصور القادمة من ذاك العالم، والقراءات المطولة للروايات كل ما يزرع الأمل في نفوسنا بأن هناك شيئا آخر غير ما نعيشه، وربما ينتظرنا بعيدا عن هذه الظلمة التي كنا نتصارع وإياها.

مع مرور السنوات بهتت صور كثيرة واندثرت أحلام، وإن كان شيء منها قد استطعنا تحقيقه لشدة ما سعينا أن تكون لنا حياة مفتوحة الأفق ومليئة بالمغامرات، بعد ذلك الزمن هدأ عصف الأحلام الأكثر جنونية ودخل هذا النصب في رتابة أيقونته أو في متحفيته السياحية، إذا صح التعبير.

منذ ما يقارب العشر سنوات، لدى زيارتي الأولى لنيويورك أردت أن يكون تمثال الحرية أول ما أرى، يومها تأثرت كثيرا ليس مما شاهدت بقدر مما أعاده إليّ هذا النصب من أحلام حلمت بها ولم تتحقق، كما جعلتني رؤيته أتمعن بغبطة في القليل مما تحقق ومازلت أحلم بتحقيقه، ثم تتالت السنين، لم يعد التمثال يعني لي وللكثيرين في العالم شيئا، سوى أنه أيقونة يجب زيارتها.

ارتدى هذا التمثال لفترة في عين الكثيرين رداء قاتم اللون، كاد الفنان السوري تمام عزام أن يختصر في عمل تشكيلي واحد المرارة المُستجدة عندما صوره مكونا من بقايا المنازل السورية المدمرة، وأرفق العمل بكلمات تنضح بالخيبة “هذا ما فعلته بنا حريتكم”.

عمل الفنان تأكيد جديد على قدرة الفن على تحوير الصور إلى أشكال أخرى مُشابهة لها خارجيا، ولكن وفق معطيات جديدة تذهب حتى إلى نفي معناها الأصلي.

إذا ما تصفحنا المواقع الإلكترونية فسنلحظ عودة تمثال الحرية من سباته التاريخي إلى حيوية الحاضر، عاد عبر الأعمال الفنية التي صورته حينا في حالات تناقض مع جوهره، وأحيانا أخرى أعادت إليه ألق الأفكار التي دارت في فلكه منذ يوم انتصابه قبالة البحر.

أفكار مرتبطة بتدفق الوافدين إلى أميركا هربا من الفقر والحروب وانعدام الفرص، وبالتالي هي أفكار مرتبطة بالمنع المستجد للتدفق المشروع والمٌرحب به تاريخيا كجزء لا يتجزأ من الهوية الأميركية.

مؤخرا تولى بعض الباحثين، في ظل العداء المُلتبس حيال المهاجرين، عملية “نبش” تاريخه ليعلنوا أنه تمّ نحته استلهاما من تمثال آخر يمثل امرأة عربية ومحجبة، كان من المفترض إقامته على المدخل الجنوبي من قناة السويس المصرية.

ها قد ترجل تمثال الحرية من هالته “الحافظة” والعازلة ليعود إلى الحياة، وإلى المعنى الأصلي الذي أراد منذ يومه الأول أن يعبر عنه من ليبرالية وحرية في التفكير وانفتاح على كل العالم، بما فيه الدول السبع التي وضعت على اللائحة السوداء، قبل أن يُعلن مؤخرا أن المرسوم الجديد حول الهجرة الذي تعده واشنطن سيتيح تطبيقا أقل صرامة من الأول.

قد يتساءل البعض عما إذا كانت عودة هذا التمثال إلى نبض الحاضر عبر أعمال لفنانين أميركيين ومن مختلف بقاع العالم على السواء، هي دليل قاطع على أن الفن مازال بوسعه أن يشارك في تغيير العالم وتحريك الرأي العام على النحو الذي تكلم عنه جان بول سارتر في نظرية “الفنان الملتزم” بقضايا شعبه، أو بما يتقارب مع كلمتين شهيرتين للشاعر أرتور رامبو “تغيير الحياة”.

ربما ليست الحال على هذا القدر من المثالية، ولكن من المؤكد أن الفن لا بد أن يدخل في خضم معمعة الحاضر ليساهم في زعزعة إما المُسلمات، كما هو الحال مع تمثال الحرية، في إعادة تصويب المسار الإنساني، ونفض الغبار عن القيم التي بنيت على أساسها أمم، وإما على الأقل تلك التي زُعم أنها بنيت على أساسها.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر