الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

المبهورون بالقرن الماضي

قرننا هذا يبدو أنه سائر في اتجاه أن يكون قرن الإرهاب ومكافحته وقد تفضل بن لادن وصنع لنا بداية للقرن تقع في بدايته، أي عام 2001.

العرب حسين صالح [نُشر في 2017/02/28، العدد: 10557، ص(24)]

من الخير للإنسان ألا ينبهر. الانبهار فيه شيء ينقص من قيمة المنبهر. الذكي من يستطيع أن يخفي انبهاره ويبدو متماسكا باردا غير متأثر حتى يقال عنه “شايف وعايف”، رأى وسمع الكثير ولم يعد يهزه مشهد أو يشد انتباهه خبر.

أعرف ناسا كثيرين يجيدون تصنع عدم الانبهار، وهذا جيد وفي ميزان حسناتهم. وهناك طبعا قلة من المنبهرين الذين يمضون في الحياة متعجبين ومندهشين من كل الأشياء ويتصرفون مثل القطط والأرانب البرية في الليل. القطط لا ينتهي انبهارها بكل شيء. وكلما كان هناك ناس ينقلون أثاثهم من سكن إلى آخر تجدون قطة تتفرج مأخوذة بفكرة خروج طاولة الطعام إلى الشارع والفراش على الرصيف بانتظار سيارة النقل.

لم أر في حياتي بشرا ينقلون أثاثهم دون أن أرى قطة تتفرج مشدوهة تتابع العملية بتركيز كي لا يفوتها مشهد ثلاجة البيت التي طالما رأتها منتصبة شامخة في المطبخ وهي الآن أفقية ويحملها رجلان في الشارع. شيء عجيب.

أما الأرانب البرية في الليل فهي درس وموعظة وتحذير من شدة الانبهار لأن الاندهاش يقتلها وفق قاعدة ومن الاندهاش ما قتل. عندما ترى نورا قادما والمفروض أن يكون مبتذلا مثل نور سيارة تقف مشدوهة إلى حد أنها تتسمر في مكانها وحينذاك تموت دهسا فهي لا تملك حتى الركض بعيدا عن النور القادم، فالدهشة تتملكها حتى أنها تفقد إحساس البقاء والحفاظ على الذات.

لكن الانبهار الكبير الذي ألمّ بالإنسانية جمعاء ولم ينج منه سوى قلائل معدودين هو ما حصل عام 2001. ذلك العام كان مطلع قرن جديد كما تعلمون. وهو قرن ابتدأ عام بدايته. هذا ليس من نافلة القول فما كل القرون تبتدئ في بدايتها.

القرن العشرون لم يبدأ حتى عام 1917 سنة الثورة البلشفية التي جاءت بالانقسام الأيديولوجي الذي صار سمة القرن ذاك. قرننا هذا يبدو أنه سائر في اتجاه أن يكون قرن الإرهاب ومكافحته وقد تفضل بن لادن وصنع لنا بداية للقرن تقع في بدايته، أي عام 2001.

على أية حال، وقع ما وقع ووجدنا أنفسنا في قرن جديد. لكن الأغلبية تولتهم حالة اندهاش بالإنجاز بحيث ملك القرن الجديد عليهم أمرهم وصاروا يتصرفون وكأنهم قد عاشوا قرنين وصار الجميع يشير إلى التسعينات مثلا بالقول “التسعينات من القرن الماضي” وكل عقد من القرن العشرين لم نبلغه صار يشار إليه على أنه من القرن الماضي.

المفروض أن نبلغ ثلاثينات هذا القرن لكي نشير إلى عشرينات القرن العشرين على أنها عشرينات القرن الماضي وليس عشرينات القرن الحالي التي تجاوزناها أيضا. لكن الحاصل الآن ونحن في عام 2017 أننا نقول في ستينات القرن الماضي وكأننا تجاوزنا ستينات القرن الحالي.

في هذا شيء من الانبهار الرخيص. هذا شيء يشبه قول المصريين “في عهد الملك فاروق الأول” ونحن نعرف أن هناك فاروقا واحدا خلع عن العرش في الخمسينات “من القرن الماضي”.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر