الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

قل وداعا

بالرغم من هذا التردد، يجدر بأن ننتصر على حذرنا وأن نفصح عن كلية الخواطر في كلمات قد تكون جنونية بعض الشيء، وموجهة إلى كل فنان حيّ.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/03/03، العدد: 10560، ص(17)]

بالأمس القريب فقد لبنان والعالم العربي الفنان التشكيلي زهراب الذي اشتهر بعذوبة شخصياته ونصاعة الأجواء المحيطة بها، وبعد بضعة أيام على وفاته، رحل الفنان التشكيلي اللبناني وجيه نحلة عن هذا العالم، “فجأة”، كما ذكرت العديد من المصادر، وكأن الموت حينما يسلب الأعزاء من أحضان بعضهم البعض لا يحدث دائما إلا فجأة حتى عندما يكون منتظرا ومترقبا في أي لحظة.

ذهب الفنان وجيه نحلة تاركا وراءه إرثا كبيرا من الأعمال الفنية اللافتة، الصغيرة والهائلة الأحجام، أعمال تمتعت بحس لوني عال وحركة داخلية استمدت انسيابيتها من عالمه الداخلي.

لا يمكن إنكار هذه السمات البارزة في لوحاته القديمة والأخيرة على السواء، حيث لعبت الحروفية دورا كبيرا في تشكيل ثنايا نصه البصري حتى عندما غادر فضاء التشكيل الذي سكنه أشخاص ومشاهد طبيعية إلى عالم التجريد المُطلق.

لا يمكن الإغفال عن ذلك، وإن كان البعض لا يستسيغ فنه ولا ما قدمه الفنان على مدى السنين، إذ قد يكون وجد فيه طغيان الحروفية وتكرر تجلياتها الشكلية واللونية على حساب صدق الشعور.

تتالت المقالات التي تناولت مساره الفني ومحطات حياته الأكثر تأثيرا على فنه، تماما كما حدث منذ أسابيع قليلة عند وفاة الفنان اللبناني/الأرمني زهراب، ولا شك بأن التغطية الإعلامية لهذا الحدث، أي لحدث وفاة فنان تشكيلي مرموق، أمر مشكور ويساهم في إلقاء الضوء على أهميته ومكانته في العالم.

بعد تلك الفورة من المقالات التي امتدحت أعمال الفنانين الغائبين زهراب ونحلة، أوغلا سريعا في صمت أصم، كيف لا، وهم لا ينتميان إلى عالم السلطة والسياسة والمال؟

أمام مصادفة الموت المتقارب زمنيا والتي لم تكن ولن تكون الوحيدة على هذه الأرض، قد تخطر على بال الكثير منا أفكار متضاربة تريد أن تظهر في كليتها، وتخجل في الآن ذاته، أن تظهر خوفا من أن تُعتبر مسيئة في حق أي فنان أمضى حياته في العطاء الفني.

ولكن، بالرغم من هذا التردد، يجدر بأن ننتصر على حذرنا وأن نفصح عن كلية الخواطر في كلمات قد تكون جنونية بعض الشيء، وموجهة إلى كل فنان حيّ.

احرص على أن تقول وداعا قبل أن تنصرف، حتى وإن استبعدت ذلك في المدى القريب، لا بل، بالغ في تصاريح الوداع حتى تنفّر من حولك من الغرباء فيدعوك ترحل بسلام ودون ضوضاء هي في معظمها مُفتعلة.

اقطع الطريق على سيول الرثاء وفرضيات مهام رصد لحظاتك الأولى في هذا العالم الكئيب، لا تدع المقالات “المناسباتية” تطال قامتك وتعمّق من غيابك.

اذهب غير مبال بما تركت وراءك من أعمال فنية وأحلام حفرتها على مدى السنين عابقة بأزهارك الربيعية الدائمة التي تتوالد لوحدها، أزهار كهذه يستحيل قطفها من عقول من أحبوك فعلا كإنسان أولا وكفنان ثانيا.

هي أفكار قد تخطر على بال بعض الصحافيين أو النقاد الفنيين المُلزمين والمُكرهين على كتابة نص ما في “مناسبة” الوفاة، قد يجدون في ذلك الكثير من الرياء، وقد يعتبرونه أشبه بمهمة سيدة منزل مرموقة عندما ترتب في تأن البياضات النظيفة والمعطرة بعد أن صرفت وقتا ثمينا في غسلها، لتضعها في الخزانة وتقفل عليها بإحكام، لتقفل عليها، ليس حتى يحين موعد استخدامها مجددا، تقفل عليها، نعم، ولكن بالشمع الأحمر.

اعلم، وكما يقول الكاتب ميلان كانديرا أن “حتى المقاصل تصبح مضيئة في كنف نور الشمس الغاربة”، هذا ما قد يخطر على بال العديد من الناس حين يعلمون بوفاة أحد الفنانين التشكيليين.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر