الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

الشعر هم وجودي وأحيانا لغو زائف

الشعر هو الهم الوجودي الذي صار قصيدة، وكل شعر لا يصدر عن القلق والأرق وحيرة الوجدان والألم الكلي ليس شعرا إلا بالشكل.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2017/03/07، العدد: 10564، ص(14)]

يعرّف المعجم العربي كلمة “هم” بأنها الحزن والغم وما يشغل بال الإنسان وما يؤرق فكره. والحق أن هذا التعريف اللغوي بالكلمة ينطوي على كل عناصر الهم بوصفه مفهوما فلسفيا.

فالهم فلسفيا في بعض تأويلاته انشغال الذات بذاتها. والهم بوصفه انشغال الذات بذاتها يحيلنا إلى السؤال ما الذي يجعل الذات مشغولة بذاتها انشغالا هو بمثابة الهم الذي يؤرقها أو بلغة هيدجر يجعلها في حال القلق.

سأترك جانبا الشعور بالعدم الذي يخلق الهم الفردي عند تذكر العدم، والذي يخلق بدوره القلق الوجودي. وسأضرب صفحا عن الحياة اليومية التي يخلق البحث عن تلبية حاجاتها هموما تخلق الهم والحزن أحيانا والألم بسبب العجز عن تلبيتها. وهذه حال معيشة لدى العدد الأكبر من الناس، وسأدخل في عالم خاص من الهم ألا وهو عالم الهم عند الشاعر.

الكتابة هما هي حضور الذات بهمومها في الشعر. ولكن الشعر هما يعني أن الهم الكلي صار هما ذاتيا أو الهم الذاتي وقد صار هما كليا، ولكنه الهم الذي قالت اللغة عنه بأنه ما يؤرق الذات ويحزنها والذي قالت الفلسفة عنه انشغال الذات بذاتها المهمومة التي تفيض قلقا وجوديا.

فالشعر هما ليس هو الشعر شغلا. فالذات الشاعرة المنشغلة بذاتها غير المهمومة تنتج شعرا رديئا في الغالب محدود الأثر ومحدود الزمن. ورب شاعر واحد يعيش التجربتين فيبدع نصين لا يمكن أن يكونا لشاعر واحد هو نفسه، بل لذاتين مختلفتين. فالذي يقرأ قصيدة “سلام كله قبل” للجواهري لا يصدق بأنه هو نفسه الشاعر الذي كتب “سلام أيها الأسد”.

تأمل هذه الأبيات الرائعة من سلام كله قبل:

“سلام ٌ كله قُـبَلُ، كأنَّ صميمها شُعَلُ/ وشوقٌ من غريبِ الدارِ أعيت دُونَه السُّبُلُ/ مُقيمٌ حيث يضطرب المُنى والسعي والفشل/ وحيث يُعارك البلوى، فتلويه ويعتدل/ وحيث جبينه يَبَسٌ، وحيث جِنَانه خَضِلُ/ وإذ نَضُبت أفاويقُ الصِّبا فهباتها وَشَلُ”.

الهم الذاتي هنا تحول إلى هم كلي يتمثله القارئ العائش تجربة الغربة وكأنه كاتبه. فالشوق والغربة وضيق الحال والاضطراب والسعي والفشل والبلوى والشيخوخة، فالذات هنا في أوج همها وألمها وحزنها وقلقها وأرقها.

وقارنه بهذا النص الرديء الخالي من أي هم كلي أو ذاتي فجاء لغوا فارغا وسجعا خاويا من القيمة الجمالية والوجدانية، بل إن طفلا مبتدئا في كتابة الشعر لا تصدر عنه مثل هذه الرداءة الشعرية وهذه المفردات المضحكة:

“سلاماً أيها الأسدُ سلمت وتسلم البلدُ/ وتسلم أمة فخرت بأنك فخر من تلد/ لها من حافظ سند ومنه الزند والعضد/ يميناً أنك الأسد له عن غابة رصدُ/ صموداً أيها الأسد. رعاك الواحدُ الأحدُ”.

في النص الأول نحن أمام إنسان يعيش تجربة وجودية، في النص الثاني نحن أمام آلة تنتقي قافية وبحرا بلا وجدان، في النص الأول شاعر مهموم لم يحمله أحد على كتابة همه فاستجاب إلى نداء ذاته الداخلي. أما في النص الثاني فنحن أمام إنسان مداح مكتسب أو قل أمام الهم الزائف الذي ينتج لغوا.

وهكذا فالشعر هو الهم الوجودي الذي صار قصيدة، وكل شعر لا يصدر عن القلق والأرق وحيرة الوجدان والألم الكلي ليس شعرا إلا بالشكل. ولكن أن يعيش الشاعر نفسه تجربتي الكتابة؛ الكتابة من حيث هي هم والكتابة من حيث هي لغو، فهذا أمر يحتاج إلى نظر.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر