الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

المؤلف والفراشة

تقنية القراءة الحديثة أصبحت تشبه نوعية العلاقات بين البشر في هشاشة حضورها وسرعة انبثاقها وانطفائها، وتشبه بالتحديد ما يعرفه تماما تقنيّ التوليف البصري للتقارير الإخبارية المصورة.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/03/17، العدد: 10574، ص(17)]

قال الكاتب ميلان كانديرا في روايته الشهيرة “البطء”، المادحة لقيمة البطء في زمن السرعة، خاصة في ما يتعلق بالحب، “تتناسب درجة البطء طردا مع قوة الذاكرة، وتتناسب درجة السرعة طردا مع قوة النسيان”، لا ندري إن كانت هذه النوعية من الأفكار ما زالت قادرة على النفاذ إلى قلب الحياة المعاصرة، فكلما “هرولت” راميا خلف ظهرك كل ما تناولته بعمق أو بخفة، تمتعت بذاكرة صحية ومُعاصرة تطوف على سطحها الأشياء والمشاعر كالجثث العفنة.

ولعل التفاعل بين ما يحدث متسارعا، وعلى جميع الأصعدة في العالم مهما كانت درجة فداحته، والأسلوب المتواتر الذي تُقدم به المعلومات المتعلقة بما يحدث سواء كان ذلك على شبكات التواصل الاجتماعي، أو في المواقع الإلكترونية، أكبر دليل على أننا صرنا كبشر في عالم آخر يعيد ابتكار ذاته ضمن معايير جديدة أمام حوادث لم نعرفها من قبل، أو عرفنا ما يشبهها في زمن سابق.

فرض هذا العالم أسلوبا جديدا في كتابة وقراءة المعلومات، سماه “التصفّح” وانسحب هذا الأسلوب حتى على عالم الروايات والشعر، حيث أصبحت العديد من الكتابات تشبه التدوينات اليومية على المواقع الإلكترونية، وبات الفن مهووسا بالاختزال والإشارة والومض إلى الأشياء والأفكار، بدل إمعان الجريان في سراديبها.

عالم القراءة لم يعد يشبه في شيء ما رسمه الفنانون التشكيليون لمدة عصور، وصولا إلى ما رسمه الفنانون المعاصرون، حيث وضح تسرب القلق والنزق والملل إلى آفاق اللوحات ضاربا عرض الحائط بأجواء البطء اللذيذ الذي كان يرافق فعل الكتابة والقراءة والحب في صوره الكثيرة.

باتت القراءة السريعة، لا بل الخاطفة، التي يتمرن من خلالها القارئ المعاصر على استخراج المعلومات التي يريدها، وكذلك الإبحار في عالم المعلومات غير المحدود دون الغرق أو الاستغراق في ما يعثر عليه، هي القراءة المطلوبة إن أراد ألا “يضيّع” وقته ويكون معاصرا لزمانه.

لعل أهم ما يُمكن ذكره في هذا السياق، هو ما كتبه الكاتب والناقد الأميركي مايكل كلون في هذه الكلمات “انهماك العقل الحديث في فعل المحاكاة السريعة لكل ما يراه أمامه أو يقرأه، ليس نتيجة استخدامه لتقنيات كتويتر الذي يتصفحه بين اللحظة أو الأخرى، يعود ذلك إلى التغيير الذي طرأ على نمط التفكير وازدياد أهمية الذاكرة قصيرة المدى، الذاكرة التي ما تلبث أن تتخلص مما ومض أمامها، ينعكس ذلك بدوره على ازدياد الاهتمام باستخدام تقنيات حديثة كتويتر”.

أصبحت تقنية القراءة الحديثة تشبه نوعية العلاقات بين البشر في هشاشة حضورها وسرعة انبثاقها وانطفائها، وتشبه بالتحديد ما يعرفه تماما تقنيّ التوليف البصري للتقارير الإخبارية المصورة، فهو قادر على تلقف الصور والأصوات بسرعة هائلة والربط في ما بينها في تلاحق منطقي وسردي يسبق حتى عمل يده في تحقيق هذا الإبصار الخاطف للصور، وهو قادر ذهنيا وعمليا وشعوريا على الانتقال السريع إلى ما هو تال، أو ما يُرجى أن يكون تاليا.

قد نجد في الشغف الذي يكنّه الكاتب والناقد الروسي-الأميركي نابوكوف للفراشات اعترافا شيقا بأهمية البطء في مقاربة أمور الحياة، فهو عندما سئل عن اهتمامه الذي لا يعرف الملل برفرفات الفراشات ودورانها واقترابها من مصادر النور حدّ الاحتراق، قال “كالفراشات، ننجرف إلى حمى الاقتراب أكثر فأكثر عبر تبني السرعة كفلسفة وكفعل على حد السواء، ولكننا مهما اقتربنا إلى ما نعتقد أننا نتجه نحوه، لن نكون بالقرب الكافي لنطل على ما نعتبره ‘الواقع’، لأن الواقع دائم التحول وبشكل متسارع، حتى كيفية نظرتنا إليه لا تكفّ عن التغير وفق الاكتشافات والخبرات، إنه واقع نلهث لإدراكه، ولا ينفك هو يلهث هاربا من أمامنا”.

فهنيئا لكل من استطاع في هذا الزمن الكاسح للتفاصيل التقلب في رحيق العمر وهو في أوج جريانه.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر