الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

البناؤون

ليس القصد التبخيس من قيمة المهندسين بقدر ما هو تثمين لهؤلاء العمال الذين يغادرون ما صنعوا بسواعدهم فور إتمام العمل ربما إلى بلد آخر، حيث اختفوا إلى الأبد مثلهم كمثل البدو الرحل في لوحات الفنانين التشكيليين.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/03/31، العدد: 10588، ص(17)]

بدأ اهتمام الفنان التشكيلي الفرنسي فرناند ليجي برسم المواضيع التي تتعلق بالبنائين في ورش العمل بالتزامن مع تعاطفه الكبير مع الطبقة العاملة وميله إلى الفكر الاشتراكي، جاءت أعماله أكثر صدقا وحرارة من أعمال الفنان ديغو ريفيرا الغليظ الذهن والقلب.

أعمال الأخير، كـ”حامل الورد” و”مهرجان الأزهار”، غير المتعلقة مباشرة بانتمائه إلى الحزب الشيوعي كعمله الشهير جدا “يا عمال العالم اتحدوا”، قد تكون أكثر أهمية، تماما لأنها تمتلك نفحة صدق من فنان “همجي” عُرف بقوة تصميم جدارياته.

لعل أهم ما ميّز لوحات فرناند ليجي أنه أراد التركيز على التناقض ما بين الإنسان ومادة الفولاذ، وقد قال “فكرة رسم البنائين أتت عن طريق الصدفة لدى مروري بالقرب من ورشة بناء.. بدا العامل منهم وكأنه ضائع في متاهة الفولاذ واختراعات البشر، معلقا بخطورة ما بين السماء والأرض”.

ربما عاش التأملات نفسها بعض من مرّوا بالقرب من ورش عمل البناء التي لا تعدّ ولا تحصى في مدينة بيروت التي تعيش تجربة البناء الخارجي والدمار الداخلي ببطولة فريدة، غير أن “التجربة البيروتية” هي أشد طنينا وأكثر ثراء من ناحية تداعيات الأفكار وتوافد المشاعر التي قد تولدها.

هناك شاعرية نبيلة تنضح من رؤية عمال البناء الوِسام، الذين معظمهم من السوريين والفلسطينيين الملوحين بأشعة الشمس، وهم منكبون على تشييد أبنية لن يسكنوها لشدة فقرهم، ومن الصعب رؤية ما هو أجمل من بنيتهم الجسدية التي لم يحصلوا عليها عن سابق إصرار وتصميم ولا من أثر التمارين في النوادي الرياضية المرفّهة، بل اكتسبوها من عملهم الشاق على تنفيذ ما صممه مهندسون معماريون تفوح منهم رائحة العطور الفاخرة.

ليس القصد التبخيس من قيمة المهندسين بقدر ما هو تثمين لهؤلاء العمال الذين يغادرون ما صنعوا بسواعدهم فور إتمام العمل ربما إلى بلد آخر، حيث اختفوا إلى الأبد مثلهم كمثل البدو الرحل في لوحات الفنانين التشكيليين.

قد نستغرب عند رؤيتنا عظمة بعض الهياكل الهندسية العصرية التي نفذوها ليستقر فيها بشر مطمئنون لمتانة ما شيده هؤلاء “الغرباء” الذين تبقى أسماؤهم مجهولة، في حين لا يلمع إلا اسم المهندسين المعتمدين أو اسم الشركة المقاولة، كيف لا نجد ذلك ضربا من ضروب سرقة الاعتراف بمن كان وراء تحقيق تلك المشاريع المُكلفة وبأبخس الأثمان؟

هؤلاء البناؤون تصادفهم في الصباح الباكر، يعبرون الطرقات بثيابهم الرثة تحت زخات المطر أو الغبار، يعبرون غير مكترثين بإشارات المرور ولا بخطورة سيرهم في أماكن غير مخصصة للمُشاة.

يحملون أكياس نايلون يضعون فيها وجبات طعامهم التي سيتناولونها أثناء الفرص القصيرة التي يحصلون عليها في ساعات عمل لا تقل عن 10 ساعات، هؤلاء لا يمتلكون في معظمهم منازل حقيقية، بعضهم يعيش في تخشيبات أو خيم أو مستطيلات معدنية لا تليق بالسكن البشري.

هؤلاء، منهم من فقد وطنه منذ زمن بعيد ومنهم من فقده منذ سنوات قليلة، هم عابرو السبيل ما فوق الواقعي والمنغمسون بمهزلة الاحتراف في تأسيس لمنطق الطمأنينة المتجسدة بمقرات/أبنية ثابتة في أرضها.

هؤلاء، صنّاع الثبات، هم ملوك في مهب الريح، ريح عنيدة ضاحكة لا تقيم لأي شيء وزنا. معظمهم، لا بطاقات تأمين لهم في حال تعرضوا إلى حوادث، وإن امتلكوها من الشركات التي وظفتهم فهي من أسوأ ما يكون، وبالرغم من ذلك ترى العمال يتحلقون في فترة الاستراحة حول وجبات من الطعام يتقاسمونها بفرح بسيط.

عمد الفنان ليجي إلى دعوة البنائين لرؤية لوحته الشهيرة “عمال البناء”، لكنه شعر بخيبة أمل لأنها لم تعن لهم شيئا.

هل سيكون لعمال البناء في بيروت ردة الفعل نفسها إذا ما رأوا أعمالا مماثلة؟ ربما هذا ما سيحدث، وذلك سيزيدهم ألقا ويُشَرْعِن بساطة وفتنة صفتهم كصناع أحلام ابتكرها آخرون.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر