الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

هل دخلنا مرحلة نسيان الموصل في نفق تلعفر

يستمر تجاهل إبادة الموصل في أحيائها الغربية إن بإرهاب داعش أو بإرهاب التحرير مقابل أي ثمن. فالحكومة محرجة بقرارها السياسي وتخبطها الواضح في غرفة العمليات المشتركة.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2017/04/12، العدد: 10600، ص(9)]

تجتهد الدول خاصة الكبرى في رعاية مقاتليها المتواجدين بالمناطق الساخنة، وتبذل طاقتها في التخطيط والعمل الاستخباري وأخذ الحيطة والحذر من المفاجآت بتأمين مستلزمات الوقاية والحماية مع أفضل التقنيات والأساليب الفنية الدقيقة من السلاح والعتاد، إلى الغذاء والشراب الصحي؛ أي إنها لا تترك حياة قادتها الميدانيين وجنودها إلى عشوائيات في التطبيقات العملياتية بالذات ما يتعلق منها باختيار المكان والتوقيت والإعداد الملائم لسمعة الدولة وكلياتها المتخصصة بالعلوم والتدريب والمهارات المتعددة التي من خلالها تؤسس الجيوش المرموقة من مهدها إلى القيادة.

اختفت عروض التراجيديا الموصلية في الأيام الأخيرة بسبب تواتر الأحداث وفداحة ما تتعرض له مدن عربية أخرى من إرهاب لا مثيل له، كما في إعادة سيناريو كيميائي الغوطة الشامية بقصف مدينة خان شيخون في محافظة إدلب والتي قلبت التوجه الأميركي وتصريحات نيكي هايلي السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة ما قبل الضربة الكيميائية بما يخص ترتيب الأولويات في الاستراتيجية الأميركية بمحاربة الإرهاب في العالم، وإيقاف تمدد المشروع الإرهابي الإيراني في المنطقة وتحجيمه، ثم دعم الانتقال السياسي بالحوار الجاد والضغط باتجاه قبول الوقائع الجديدة.

الرسالة كما نعتقد وصلت كإيحاء باستمرار سياسة الرئيس السابق باراك أوباما في فك الارتباط الفاعل بالمنطقة؛ وكانت الإجابة سريعة فيها مزيج من كيمياء مزاج المحور الروسي الإيراني والنظام الحاكم في سوريا قبل جريمة خان شيخون وما حصل من رد فعل أميركي، ردّ استثنائي تحت كل المقاييس ونتائجه اللاحقة أكبر بكثير من تدابير ولغة اللامبالاة وتحليلات النظام وداعميه.

ما يقلقنا استمرار تجاهل إبادة الموصل في أحيائها الغربية القديمة إن بإرهاب داعش أو بإرهاب التحرير مقابل أي ثمن. فالحكومة محرجة بقرارها السياسي وتخبطها الواضح في غرفة العمليات المشتركة ومع مناكفات الحشد الشعبي ومجاراة الرغبة الأميركية، فمع بدء الفصل الثاني من المعركة باستراتيجيات عسكرية يبدو أنها وضعت هدفها الأساسي تحت ضغط نفسي وبراغماتي ودولي أيضا، ويتضح ذلك بالتهويل في قدرات القوات العراقية إلى حدّ أن بعضهم لم يتأخر في إطلاق التهديدات ولزوم الخوف من إمكانيات الجيش العراقي لشعور العرب بمخاطر استعداء العراق أو التخلي عنه.

رئيس وزراء العراق حيدر العبادي أكد لنفسه ولخصومه بجملته الشهيرة “أنا رئيس وزراء العراق”، في رده أو تذكيره لقادة إقليم كردستان بضرورة احترام حكومة المركز. العبادي أدار اهتماماته لنشر بطولات تنفيذه وإقدامه على تحرير الموصل، لكنه تجاهل النصف الأول من اهتماماته عندما قال “تحرير الإنسان قبل الأرض”. ما حدث أن الموصل تحولت إلى خرائب وساحة للرعب والإبادة والحصار والجوع والموت المبرمج.

ما هو دور العبادي كقائد عام للقوات المسلحة؟ ما هي الأفكار الساندة للعلوم العسكرية؟ لماذا خطة الإبقاء على المئات من الآلاف في بيوتهم خشية من تدفقهم الواسع على مخيمات قاصرة عن استيعابهم، ودون حساب لمدة الحصار ودعوتهم إلى الصمود حتى التحرير من دون مستلزمات العيش وأي نوع من الرعاية الإنسانية وهم يعلمون أنهم في قبضة داعش وأخبار الإعدامات وتعليق الجثث على أعمدة بلا كهرباء تعيد لنا المشاهد من مجازر عام 1959، وبنفس الأسلوب الذي أقدمت عليه عصابات من الحزب الشيوعي ذهبت ضحيتها أعرق الأسر العربية في الموصل.

أيّ عمل عسكري هذا الذي لا يراعي نوعية المقاتلين في خندق العدو؟ وفي مثالنا لا مجال للتفاوض أو التوسط لإيجاد ممرات آمنة لإخراج المدنيين وإنقاذهم؛ هل فعلاً لا توجد إمكانية تفاوض في الأوقات الحرجة أو شخصيات معينة تلعب دوراً تفاوضياً أو ضمانات ميدانية واستغلال فترة ما قبل الإجهاز عليهم لفرض إرادات تمنحنا فرصة إطلاق العدد المتبقي من الرهائن الأبرياء؟ أم إن القرار هو الإبادة مع تأكيدنا على عدم استحالة وجود عناصر من التنظيم تريد النجاة بنفسها بالفرار؛ ألا تنقل لنا وسائل الإعلام تخفّي بعضهم بين العوائل الهاربة من الأحياء الغربية.

القيادات العليا تتحدث عن إطالة المعركة من أجل حماية الناس بتحييد الأسلحة الثقيلة والطيران، والتوجه إلى حرب الشوارع، أي أن مئات الآلاف من الناس يتعرضون للحصار ومنهم من يموت جوعاً ويدفن في السراديب أو المساحات الفارغة في البيوت، والموصليون كانوا في بعض المناطق السكنية يدفنون موتاهم في بيوتهم أو في الساحات المقابلة لبيوتهم إلى بداية سنوات السبعينات من القرن الماضي حين صدر قرار بترحيل القبور إلى أماكن مخصصة؛ هناك حالات تحلل للجثث وانتشار للأمراض الوبائية والجلدية، حالات مروعة تتحملها الخطط العسكرية وأيديولوجيات الأحزاب الحاكمة ومجموعات تمارس الإعدامات الميدانية خارج القانون كالمعتاد لما حصل في مدن أخرى وكذلك عمليات سلب ونهب وقتل وتحرش طائفي بسلوكيات ليست خافية.

الخطأ الفادح كان في تكليف الحشد الشعبي بعد إصراره على المشاركة في عمليات المحور الغربي بقاطع تلعفر من الموصل الذي لم يتم تحريره؛ قادة الحشد خلافا لتعهدات رئيس الوزراء يطالبون السماح لهم بالمشاركة في اقتحام تلعفر، وقد تعذر ذلك عليهم سابقا للإشكالات الخاصة الإثنية والدولية، واليوم زادت عليها الانقسامات والتجاذبات بين الإرادة الأميركية وإرادة الولي الفقيه وورطة رئيس الوزراء بينهما، الحشد سبق وأن دخل الموصل بمختلف أزياء الصنوف القتالية ونشر راياته وممارساته، لكن الخطأ الاستراتيجي كان عدم وجود ثغرة لهروب مقاتلي تنظيم الدولة المتبقين، وهي مصيدة وقعت فيها أحياء غرب الموصل.

معظم مقاتلي داعش عندما فروا توجهوا إلى الغرب، أما مقاتلوه الآخرون فهم عناصر وجدت نفسها دون خيار سوى القتال حتى الموت والتحصن بالمدنيين، وهي مدعاة أو مطب لارتكاب عمليات قتل جماعي لأغراض التحرير إذا لم تتوفر خطط تعتمد إيصال المعلومات بوجود مسارب لهروبهم لإنقاذ من تبقى من الأبرياء، والباقي تتكفل به قوات المتابعة والرصد لإيقاع أكبر الخسائر بأفراد التنظيم.

ماذا تبقى من الموصل ومن معالمها؟ ربما لم يسلم حتى الآن سوى رمزها؛ منارة الحدباء، ولا أظنها ستنجو من داعش أو من غيره؛ أما ما بقي من ناسها وأحوالهم فلا جدوى من وصفه لأن ذلك يقع ضمن مساومة المشاريع وتقاطعها؛ وكيف انقلبت طاولات عديدة وسياسات أمام التدخل الأميركي الجاد في المنطقة. ما يهمنا مصير أهلنا في الموصل الذين يُفتَرَض أن لا يُتركوا فريسة لمقاصد آلة الحرب المهنية التقليدية وافتراس الوحش الطائفي الذي يبتكر أساليبه للإبادة غير المعلنة وتنفيذ برامجه ووصايا مرشده الإيراني لتهيئة واقع الصراع مع أميركا بإفرازاته القادمة في العراق وسوريا.

بشائر خير زفتها شخصيات عراقية مهتمة بإعادة النازحين وإعمار الجانب الأيسر وتوفير الخدمات، إذ أعلنت عن فرحتها ببدء تصدير الطرشي “المخلل” الموصلي الشهير إلى المحافظات؛ تخيلوا الموصل بتاريخها الإنساني العريق والمتوغل في حضارة عمرها 7 آلاف سنة نختصره في الطرشي، وهو كفاح لن نبخس حقه لعوائلنا وبيوتنا الكريمة التي تناضل للاستمرار في الحياة والثبات على أرضها وأصالتها، لكنها نينوى ومركزها الموصل بأهلها الذين نخشى عليهم من الغدر المضاف في قادم الأيام لتمرير مثالب وجرائم كيميائي الحاكم السوري، أو غايات المرشد الإيراني وميليشياته التي تستشعر الخطر.

هل دخلنا مرحلة نسيان الموصل في نفق تلعفر؟ هل صدرت الأوامر بإبطاء تحرك القطعات العسكرية لأهداف ليس أولها سلامة المحاصرين؟ لا جواب سوى حيرة أحد كبار أدبائنا في الموصل عندما أوجز لي المحنة قائلا “يا صديقي ماذا نفعل؟ ماذا نفعل؟”.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر