السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

أيها الأبيض الفتاك

'الأبيض.. ليس غيابا، إنه أشد فتكا من الأحمر وأكثر حضورا من الأسود، خلق الله الألوان كلها.. لكنني لم ولن أعرف لونا أبلغ من الأبيض في حضرة الله وإبداعه في خلق العالم'.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/04/14، العدد: 10602، ص(17)]

يُقال إن الأسود هو غياب الألوان، إن كان فعلا كذلك بعيدا عن كل البيانات العلمية، كيف يمكننا عندئذ أن نرى نقيضه، اللون الأبيض؟ هل هو لون جامع لكل الألوان؟ لا بل هو سلسلة من قمم العدم المترامي الأطراف.

ولكنه خلافا للون الأسود، هو لون خصب يقدم لك كل شيء واللاشيء في الآن ذاته، عليك أن تغرف لتستنبط منه ما يروي حاضرك ويشغل الفراغ الذي تعيش فيه لمجرد أنك إنسان على وجه هذه الأرض.

في الطبيعة، أكثر ما يجعلنا ننظر إلى الأبيض كاجتياح “الإيجابي” للعدم، إذا صح التعبير، هو مشهد الثلج وقد ألقى رداءه على كل المعالم والتفاصيل.

من الفنانين الذين برعوا في تصوير الثلج كمادة أولية نذكر الفنانين اللبنانيين شوقي شمعون ومارون الحكيم، في لوحاتهما العنصر الأساس ليس الثلج بقدر ما يحتويه هذا الأبيض “المُضاعف”، بسبب الصقيع المرتبط به، من ضياع وجودي يحلو السكون إليه في لحظات عديدة من حياتنا القصيرة جدا.

نذكر أيضا الفنانة اللبنانية/البلجيكية المتأثرة تأثرا شديدا بفن السوريالي روني ماغريت، ونعني هنا الفنانة تالين كيشيشيان التي رسمت الثلج كحضور لا يحتمل إلا ظلال الكائنات المارة مرور الكرام، ظلال زرقاء اللون بزرقة تذكر بأزرق إيف كلاين الشهير، غالبا ما تظهر في لوحاتها غير مرتبطة ارتباطا وثيقا بمصادرها، فهي أحيانا “تتصرف” غير مراعية ما تفرضه قوانين الظل، ظلال تعيش على هواها.

وضعت الفنانة حينها عنوانا مُعبرا لمعرضها “أبيض أكثر بياضا من الثلج”، ومن كلماتها التي رافقت هذا المعرض، تقول تالين كشيشيان “العالم هو ضحية التغيرات الدائمة.. إلى أين نحن ذاهبون؟”.

أما في الأماكن غير الطبيعية، فيمكننا أن نلتقي به، أي الأبيض، في بعض المعارض التشكيلية وقد هزم كل نبرة تعلو صوته، ودجّن كل الأفكار حتى باتت أفرادا من جيشه الكاسح وغير القابل للانهزام.

مؤخرا شهدنا في بيروت واحدا من هذه المعارض، نذكر معرض داليا بعاصيري الذي تعالج فيه ثيمة الذاكرة والنسيان من خلال الأبيض كحضور وغياب في الآن ذاته، في أعمالها باتت كل الأشياء المغلفة بالأبيض هي النسيان بحد ذاته مُجسد بشكل حسيّ وملموس، وبذلك صارت أقوى حضورا من الذاكرة التي تشيّد في الخيال قصورها السحريّة المغمّسة بلون الغروب الحزين.

يصعب على كل من دخل هكذا معرض ألا يستقبله اللون الأبيض ولا يترك ذهنه قبل أن يغشاه كليا حتى يصبح جزءا مما يراه الزائر أمامه، سيجد الزائر نفسه يتساءل “ماذا في كل هذا اللاشيء؟”.

تعدد الفنانون الذين أحضروا الأبيض إلى معارضهم، الأبيض كلون وكحضور يشي باللاحضور، غير أن أكثر من قبض على معنى اللون الأبيض وعلى فلسفة طغيانه عندما يحضر بكثافة، هو ما قاله الفنان كازيمير مالفيتش سنة 1918 عندما تولى تقديم لوحات “فارغة”، ولكن ممتلئة بالأبيض، لوحات حملت جميعها هذا العنوان “أبيض على أبيض”.

قال “اللوحة يجب أن تولّد في المُشاهد إحساسا أوليا وصافيا وبعيدا كل البعد عن كل ما عرفه أو يُمكن أن يعرفه أو يختبره لاحقا، لن يحصل ذلك إلا إذا عرّينا العمل الفني من كل شيء إلا من المسطح الأبيض الذي هو اللوحة ذاتها”.

جاء من بعد مالفيتش الفنان روشنبرغ الذي صعّد من نبرة شغفه بمنطق الأبيض، حينما قال “لم تكن يوما اللوحة فارغة قبل أن يُرسم عليها.. تلك اللوحات هي مرايا الهواء، ومكان ليستقر عليه الغبار والخيالات والظلال، وشتى الانعكاسات، مُسطح يعجّ بالضجيج”.

ولعل أروع كلام قيل عن حقيقة الأبيض جاء على لسان الشاعر والفيلسوف الإنكليزي جيلبير شيستورتون، عندما قال “الأبيض.. ليس غيابا، إنه أشد فتكا من الأحمر وأكثر حضورا من الأسود، خلق الله الألوان كلها.. لكنني لم ولن أعرف لونا أبلغ من الأبيض في حضرة الله وإبداعه في خلق العالم”.

ناقدة لبنانية

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر