الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

أوكسجين الطائفية

المدخل الصحيح لمعالجة الأزمة الموروثة هو إطلاق فكرة المواطنة باعتبارها جوهر الوطنية ومقياس الانتماء، بحيث يصبح العراقيون متساوين أمام القانون في إطار دولة العراق.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2013/12/16، العدد: 9411، ص(9)]

إذا كانت الديمقراطية حاجة ماسة وكذلك الانتخابات، فإن الحاجة أقوى إلى إشاعة ثقافة ممارسة الديمقراطية وتعويد الشعب على كيفيّة اختيار السياسي الأصلح واحترام الرأي الآخر، لأن العراق يحتاج اليوم إلى ترميم النفوس قبل ترميم البيوت، وإعادة بنائه سياسيّاً بما ينسجم مع الحالة الوطنية للانتماء. لأن البيئة السياسية العراقية الحالية، بيئة صراعيّة غير صحيّة وهي بيئة المحاصصة الطائفيّة، وبيئة التفجيرات وألغام الإعلام الطائفي، وكلها قنوات شجعها السياسي العراقي لإلهاء المواطن بموضوعات ثانوية.

وينبغي الاعتراف بأن الأحزاب العراقية ساهمت في تصعيد الأزمات لأهداف مصلحيّة وانتهازية دون أن تقرأ خصوصيات الحاضر وآفاق المستقبل ومخاطره على الوطن. فهذه الأحزاب التي جاءت بمشروع «الطائفية» و«القومية» قبل الوطن، استثمرت النوازع القومية والدينية البدائية لدى الشعب، لتؤسس خنادق حصينة للمواطن تبشر بثقافة جديدة هي ثقافة الولاء الطائفي والقومي والعرقي، وهذا ما تجسد في ممارسة عدد كبير من السياسيين الذين أوجدوا أحزابا شيعية وسنية وكردية ومسيحية وتركمانية، فاتجه المواطن إلى التخندق إلى طائفته أو دينه أو قوميته، مؤدياً إلى تعميق فكرة التعصب، وإشعال فتيل الحرب السياسية الطائفية.

وبدون شك فإن هذه الأحزاب تفتقر إلى الرؤية السياسية المستقبلية، ومشروعها كما يبدو هو امتلاك الحاضر بأي ثمن على حساب مستقبل العراق ووحدته، وتقديم مصالحها الذاتية وأجنداتها السياسية على مصالح العراق الوطنية، بدليل استثمارها لنوازع الشعب الدينية والطائفية، وعدم التركيز على برامجها السياسية التي تتجه إلى العموميات، ولا تقدم حلولاً علمية واقعية للمشكلات العراقية، فلا تزال برامج الأحزاب الدينية تتأطر بالنمط التقليدي، وتدغدغ غرائز الناس طائفياً لإنماء روح التعصب لتعميق النزاعات الطائفية والقومية، وجعلها في أعلى مستوياتها، وإحداث شرخ كبير في النسيج الاجتماعي والسياسي.

إن مشاريع هذه الأحزاب السياسيّة تتجه إلى العموميات ولا تقدم حلولاً علميّة للمشكلات العراقية، إنما تحاول دغدغة عواطف الناس بشكل بدائي يستند إلى ثقافة تقليدية عمرها أكثر من نصف قرن، فلا يزال البرنامج السياسي يتأطر بثقافة البيئة التقليدية وحاجاتها، ومثقل بالماضي وردود الفعل، وبآليات الربح والخسارة، وبروح اقتناص الفرص، والتلاعب بالعواطف والغرائز، فمازال رئيس الحزب هو الحاكم إلى الأبد. ومن الغرابة أن تدعو هذه الأحزاب إلى الديمقراطية وتداول السلطة، وهي نفسها تمارس الديكتاتورية بين أعضائها، ومازال الكثير من رؤساء الأحزاب العراقية يحكمون أحزابهم منذ نصف قرن. فإذا كانت هذه الأحزاب تكرس لمفهوم الفرد الواحد والقائد الواحد وتشيع ثقافة الولاء الطائفي أو القومي أو الديني بين أعضائها، فإنه لا يمكن للعراق أن يكون جديداً كما نريده، إلا إذا أشاعت هذه الأحزاب الديمقراطية داخل كياناتها، بعدها يحق لها أن تمارس سلطتها في الدولة العراقيّة أو في البرلمان العراقي.

إن الحديث عن التوافق الوطني في ظل أجواء الإقصاء وبناء خنادق الطائفية، وأسلوب المهاترات السياسية والتخويف، لا يمكن أن يتحقق إلا عندما نبدأ بترميم النفوس وإعادة النظر في ثقافتنا التقليدية في ممارسة الحق السياسي والانتخابي، وبناء الثقة بين الأحزاب والكيانات.

المدخل الصحيح لمعالجة الأزمة الموروثة هو إطلاق فكرة المواطنة باعتبارها جوهر الوطنية ومقياس الانتماء، بحيث يصبح العراقيون، عرب وأكراد، سنة وشيعة، مسلمون ومسيحيون، متساوين أمام القانون ضمن إطار دولة العراق، وهي الضمانة لوحدة الوطن والشعب. وبدون شك فإن الإعلام العراقي ساهم بدوره في تفخيخ المشهد السياسي بالمنازعات السياسية والحزبية والطائفية لأسباب ترتبط بخلفيات بعض الأحزاب وأجنداتها الخارجية، وعدم استيعاب الكثير منها للفكرة الحزبية في العراق وممارسة الديمقراطية.

فإذا كانت تفجيرات الفتنة الطائفية لقتل الأبرياء في صورة السيارات المفخخّة تشكل جريمة بحق الشعب والوطن، فإن تفجيرات الفتنة الإعلامية التي تم تفخيخها داخل وسائل الإعلام العراقية، هي جريمة بشعة لا تقل عن جريمة قتل العراقي بدم بارد، لأنها تحاول إيقاظ الفتنة من خلال خطاب إعلامي مؤجج ومبرمج لمصلحة الانتماء الطائفي.

باختصار فإن خلق الأزمات الطائفية أصبح صناعة سياسية تمارسها السلطة وبعض الأحزاب العراقية، لكنها لن تستمر لأنها في غرف الإنعاش تتنفس آخر أنبوبة لأوكسجين الطائفية.

أكاديمي وإعلامي مقيم في الإمارات

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر