الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

نشيد الأشياء

'أشياء' هذا العصر العربي القاتم فيمكنها أن تحمل معاني أكثر إنسانية عندما تحضر في لوحات بعض الفنانين التشكيليين المعاصرين العرب، خاصة اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/04/28، العدد: 10616، ص(17)]

بالأمس القريب جرى تناقل خبر أن الفريق الرسمي لمكافحة الحرائق في أستراليا قرر تدريب أفراده كيفية إنقاذ ممتلكات الناس الخاصة، لأنها الأهم من الناحية العاطفية، قبل إنقاذ هياكل المنازل في حال حدوث أي حريق، أمر لافت ردني إلى ما حدث منذ بضعة أسابيع.

اتصل بي صديق، بات منذ فترة غير قصيرة مهتما بجمع أسطوانات “الفينيل” القديمة لمطربين عريقين من أمثال محمد عبدالوهاب ومحمد رشدي، ليخبرني بأنه عثر على مجموعة مهمة من تلك الأسطوانات بثمن زهيد جدا.

دعاني لكي أتفرج عليها، وطبعا لكي أشاركه فرحته وأثني على “شطارته” وجودة تلك الأسطوانات المُتحدية لمرور الزمن، غير أن الزيارة ما لبثت أن تحولت إلى شيء من الحزن الرقيق الذي أخذنا بدوره إلى عالم من التخيلات المتأصلة في أرض الواقع، واقع سوريا بالتحديد، فأغلفة الأسطوانات كانت محروقة في بعض أطرافها وأخرى أصابها سخام تصعب إزالته عنها.

يومها افترضنا، والافتراض منطقي جدا، أن أصحابها سوريون هربوا من منازلهم المُدمرة تاركين حاجياتهم وأغراضهم للنار أو للسرقة، أو ربما استشهدوا تحت ركام منازلهم.

بدت الفرحة التي شعر بها الصديق والتي سرت أوصالها في نفسي وكأنها قادمة من تعاسة قوم آخرين لا نعرفهم ولن نعرف ماذا جرى لهم، اختاروا في يوم من الأيام شراء هذه الأسطوانات المُكتنزة بأغان ارتبطت بتاريخهم الشخصي بكل ما فيه من حلاوة وحزن ولحظات قيّمة نجت من النسيان بفضل الأغاني المحفورة في تلك الأسطوانات.

ها نحن قد شاركنا من حيث لا ندري في “نهب” ذكرياتهم الخاصة، باتت هذه الأسطوانات، هذه “الطبيعة الصامتة” جلّ ما يمكن أن يختصر الواقعة السورية وواقع الإنسانية بشكل مطلق.

في سياق حديثنا، عمد الصديق إلى مسح أغطية الأسطوانات بكفه برقة فائضة، وكأنه يريد أن يزيل أو يعيد ما هو أكثر أو أبعد من السخام الملتصق بها.

بعد لحظات لم يفلح فيها من تنظيف ما علق عليها من بصمات القتل، قلت له “أسطوانات تستحق لوحة فنية، تستحق لوحة أكثر أهمية من تلك اللوحات الشهيرة والمنتمية إلى الزمن الباروكي في القرن السابع عشر، هذه الأخيرة أرادت التعبير عن هشاشة الحياة الأرضية وفناء كل شيء من خلال تصوير الطبيعة الصامتة، أما ‘أشياء’ هذا العصر العربي القاتم فيمكنها أن تحمل معاني أكثر إنسانية عندما تحضر في لوحات بعض الفنانين التشكيليين المعاصرين العرب، خاصة اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين، فهؤلاء اختبروا معنى الفقد بالمعنى المُطلق، وتداخلت تجاربهم وعلى مدى لا يقل عن ستين عاما”.

واسترسلت قائلة “لوحاتهم تتخطى القيمة المعنوية للوحات الغربية في القرن السابع عشر الغارقة في الأطر الفلسفية والتنظيرية للحياة البشرية، تتخطاها لأنها جعلت للطبيعة الصامتة المفقودة أو تلك التي استطاعوا الحفاظ عليها جزءا من معنى استمرارية الحياة، كما جعلتها إطارا وجوديا نابضا يشتعل بكل المخاوف والصراعات الأرضية والرغبة في إقصاء منطق عبثية الوجود على السواء”.

لا عبثية في اللوحات الشرق أوسطية، إنها مزارات مضيئة على الرغم من العنف الكامن في العديد منها، نذكر من تلك اللوحات تلك التي قدمها الفنان السوري يوسف عبدلكي، وخاصة تلك التي تصور أواني مطبخية بسيطة، واللوحات التي قدمها الفنان اللبناني أسامة بعلبكي وفيها سيارات محطمة وناطقة في آن واحد. ويبقى أن نذكر الفنان السوري المعاصر زياد دلول، وخاصة في “ولائمه” العجائبية التي يحتار المُشاهد حين يراها عامرة بالأطايب أو بالبقايا أو بالتالف من الأطعمة، لوحات يقتات منها نظر المُشاهد آثارا وذكريات لا تعرف الفناء لأنها خارجه.

تلك اللوحات الحاضنة للطبيعة الصامتة تنشد بحزم كلمات الشاعر راينر ماريا ريلكه “دع كل الأشياء تحدث لك/ الجمالي والمُرعب/ فقط، استمر في خطواتك/ لا شعور هو نهائي”.

ناقدة لبنانية

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر