الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

حقيبتي وطن

حقائبنا 'العربية' تلّم شملنا، تخيط جراحنا، ترمم انكساراتنا، والأهم من كل ذلك تصقل أحلامنا ببطء في عتمتها، تبث في بطانتها المنغلقة على بعضها البعض أنوارا لقناديل متكاثرة.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/05/05، العدد: 10623، ص(17)]

قد يتبدل ترتيب الكلمات الأكثر تأثيرا في نفس القارئ على النحو الذي تتبدل فيه معاني اللوحات التشكيلية كلما اعتاد الإنسان، وخاصة الإنسان العربي، ممارسة التقلب على صفحات الوقت الضائع. ولعل بيت الشاعر محمود درويش التاريخي “وطني ليس حقيبة سفر” المولود من صيحته “آه يا جرحي المُكابر” وجد تحولاته الآن.

اليوم، التكابر على الجرح حوّل حقيبة أسفارنا، ملاذا لأوطان مُتعددة، أوطان خسرناها، وأوطان مؤجل تكوينها، وأوطان تمنيناها، وأوطان أمعنت في تجريحنا، ولكنها كانت وما زالت تستحق أن نرتبها في حقيبة السفر فقط لأنها أوطاننا الأصلية.

في زمن تنهمك فيه الشركات الأوروبية والأميركية في ابتكار أروع وأحدث المقصورات المُجهزة بكل وسائل الراحة، والتي يمكن “للمواطن” العادي أن يقتنيها ليتنقل بها من بلد إلى آخر في رحلات استكشافية، في هذا الوقت عينه ينهمك العالم العربي بشكل عام في التحرك في رحلات غير سياحية تحت سطوة قمر أحمر قاني اللون والظلّ ولا يمت إلى القمر الأصلي بشيء إلا في أثره المُباشر على حركة المد والجزر.

على مضض، تتحرك شعوب بأكملها من أوطان أصلية إلى أوطان مؤقتة أو إلى ما يشبه أوطان نسجتها الذاكرة المُثقلة بالخيبات، وجمّلت صورها البلدان المُستضيفة.

الأجساد والعيون في لوحات الفن التشكيلي الفلسطيني الحديث والمُعاصر هي في معظمها تظهير لنوع خاص جدا من أنواع الحلول، إنها الوطن البديل حتى إشعار آخر.

ربما لأجل ذلك يرشح عنها، أي تلك اللوحات، ذلك الهدوء الطوباوي النادر، أخص بالذكر لوحات الفنان عبدالرحمن مزين وإسماعيل شموط ومنصور سليمان. أما الأوطان في لوحات الفنانين التشكيليين السوريين واللبنانيين والعراقيين فهي الحقائب، حقائب تغص بمقتنيات الذاكرة الشخصية، والحاضنة لأوهام وأحلام وأوجاع في صرّة واحدة، ولعل أهم فنان على الإطلاق برع في تصوير تلك الحقائب السحرية/الواقعية هي ما رسمه دون كلل وبتدفق غنائي عاصر، هو الفنان السوري المعاصر أحمد كليج.

ثمة فنانون لبنانيون كثر رسموا حقائب السفر في لوحاتهم، منهم الفنان أيمن بعلبكي الذي أقام تجهيزات فنية لافتة تحت عنوان “الوجهة: المجهول”، ولكن قد تبقى لوحات الفنان سعيد بعلبكي التي تصور “مكوّمات” من الحقائب التي تبدو تارة وكأنها مُعدة للزج في فرن إحراق، وتارة أخرى كفرصة أخيرة للهرب من آثار الحرب الأهلية اللبنانية والاحتلال الإسرائيلي، هي الأقدر على التعبير عن كيفية أن تصبح الحقيبة وطنا بديلا.

وإذا كانت ثورة الشاعر محمود درويش المتمثلة في إقراره بأن وطنه ليس بحقيبة ناتجة ربما عن شعوره بأنه كذلك إلى حين معلوم في الغيب، فإن “حقائب” السفر اللبنانية هي أوطان “شرعية” وبديلة عن وطن تبلورت تشظيات هويته إلى حدّ لا يُطاق.

حقائبنا “العربية” تلّم شملنا، تخيط جراحنا، ترمم انكساراتنا، والأهم من كل ذلك تصقل أحلامنا ببطء في عتمتها، تبث في بطانتها المنغلقة على بعضها البعض أنوارا لقناديل متكاثرة.

أوطاننا باتت حقائب، ونحن بتنا المسافرين عن أرض غائمة هي عاشقتنا، نحن عند فراقها نعقد معها صلة من نوع آخر، صلة يتعهد لنا عطرها العميق بأنها في ذاكرتنا إلى الأبد، حقائب قد لا تبرح عتبات بيوتنا أو قناطر غُرفنا ولو ليوم واحد. لكننا كلما نظرنا إليها نظرة تواطؤ وردية أو فككنا وزرا من أوزارها مضت فيها الأوطان كلآلئ مُطمئنة تهمس في آذاننا، وحتما في لسان الشاعر محمود درويش “سوف يجيء يوم آخر، يوم نسائيّ/ غنائي الإشارة، لازوردي التحية والعبارة/ كل شيء أنثوي خارج الماضي/ يسيل الماء من ضرع الحجارة/ لا غبار، ولا جفاف، ولا خسارة/ والحمام ينام بعد الظهر في دبابة/ مهجورة إن لم يجد عشا صغيرا/ في سرير العاشقين..”.

ناقدة لبنانية

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر