الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

جبل الملح

لعل موقف أبناء الملح الممنوع في السجون الإسرائيلية يحيلنا اليوم إلى عمل تجهيزي وأسطوري الملامح للفنان الإيطالي المعاصر ميمّو بالادينو، عمل حمل عنوان 'جبل الملح'.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/05/12، العدد: 10630، ص(17)]

بدأ الأسرى الفلسطينيون في 17 أبريل الماضي تزامنا مع “يوم الأسير” إضرابا مفتوحا عن الطعام حتى تتحقق مطالبهم الإنسانية المشروعة، لم يتناولوا منذ إعلانهم عن الإضراب إلا الماء والملح، أي ما يكفي لبقائهم على قيد الحياة إلى أطول فترة ممكنة.

تتالت الأخبار والحملات المؤيدة والمُغرضة على السواء، وانتشرت على مواقع التواصل الإجتماعي مقاطع فيديو تظهر فلسطينيين وغير فلسطينيين وهم يشربون مياها مالحة، كجزء من التحدي والتأييد للفت الانتباه إلى هؤلاء السجناء، وإلى أدنى حقوقهم الإنسانية المسلوبة.

لم يكن ينقص هذا الحدث المهم وأثره على المجتمعات العربية إلا خبر إعلان الإسرائيليين عن منع دخول الملح إلى السجناء المضربين، كي تولد صور شعرية تحيلنا مباشرة إلى الأساطير المجسدة فنيا وأدبيا، والتي وحّدت جميع شعوب الأرض على مدى الأزمان الإنسانية.

من تلك القصص السحرية ما يدور حول فيض غزير أو اختفاء تام للملح من مملكة ما، قصص سُردت ولا تزال تسرد في آذان صغار السن قبل خلودهم إلى النوم، نذكرعلى سبيل المثال قصة “أميرة الملح”، وهناك قصص أخرى تتبلور منذ بدايتها لتتحول إلى أفكار بصرية وأعمال فنية نطقت بالجرح الإنساني وهو يلتهب تحت حبيبات الملح.

ولعل موقف أبناء الملح الممنوع في السجون الإسرائيلية يحيلنا اليوم إلى عمل تجهيزي وأسطوري الملامح للفنان الإيطالي المعاصر ميمّو بالادينو، عمل حمل عنوان “جبل الملح”.

أما مناسبة تقديم الفنان لهذا العمل، أي الذكرى المئة والخمسون لاتحاد إيطاليا، فلا تقل شبها عما يحدث في السجون الإسرائيلية من اتحاد حول قرار شجاع واحد بغض النظر عن سلسلة التأويلات السياسية المختلفة لهذا الموقف.

كان حريّا بالفنان الإيطالي أن يطلق على عمله التجهيزي “جبل الملح” عنوانا أكثر قدرة على استحضار الأفكار والمشاعر التي من دون شك أسّس لها، وربما عنوان “فرسان الملح” كان بإمكانه أن يشبه عمله أكثر، لأن الفنان غرز في جبل من ملح فاخر بلغ وزنه 150 كيلوغراما استقدمه في أكياس من مدينته سيسيليا ليضعه وسط ساحة شهيرة في ميلانو، غرز 30 مجسما لأحصنة رشيقة، أحصنة شاهقة سوداء اللون، و”نبيلة الملامح”، إن جاز التعبير، بدا بعضها يحرث الجبل الأبيض صعودا إلى القمة، وبدا بعضها الآخر يقف منتصبا ومتأملا في ما يحيط به من مشاهد. وبدت مجموعة أخرى من الأحصنة وكأنها تصارع الغوص أو الاختفاء خلف الملح، بينما غارت عدة أحصنة بشكل شبه كليّ تحت كيلوغرامات الملح المئة والخمسين، لكن أكثر ما يميّز هذه الأحصنة أنها منحوتة بأسلوب معاصر مزج روح الأساطير والملاحم ببطولة المواقف الإنسانية.

تلقى هذا العمل التجهيزي خلال اليومين اللذين تليا يوم الافتتاح تحولات كبيرة إثر زخّات من المطر المتواصل، تحول المشهد بعدها إلى فوضى عارمة استحضرت دلالات أخرى منبثقة من ملوحة التجربة الوجودية التي جسدها هؤلاء “الفرسان”. عمد الفنان ميمّو بالادينو إلى جلب الملح من جديد وأعاد تنصيب “فرسانه” على النحو الذي كان سابقا، للوقوف وسط الساحة وكأن شيئا لم يكن.

بعد أن انقضت أيام العرض، لم تنقض أيام الأحصنة الثلاثين، بل أعاد الفنان تمثيلها في المشهد البطولي ذاته سنة 1996، ذاب الملح وصبّ مكانه الاسمنت المسلح. ثبت المشهد، وبقيت التجربة في أثرها لكل من أراد رؤيتها أو اسشعارها من بعيد.

يقول أحد النقاد عن هذه النسخة النهائية من العمل التجهيزي المُملّح بالمواقف الإنسانية الجريئة الشبيهة بتلك التي تشهدها السجون في فلسطين المحتلة “توقف الزمن عند هذه اللحظة، عند هذا الحدث التراجيدي، قد يكون معركة.. قد يكون تصديا.. هذا العمل هو كالصورة الفوتوغرافية التي توجهت إلى حدث جلل لكي تجمده تحت الأضواء لتبقيه حاضرا إلى الأبد”.

ناقدة لبنانية

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر