الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

أدونيس طعمة يقيم كرنفالا للفوضى في بيروت

  • اختار الفنان اللبناني أدونيس طعمة أن يقدم آخر إبداعاته الفنية المعنونة بـ”البساطة الخجولة” في صالة “وايت سبايسس“ اللبنانية، وهو اختيار موفق من دون شك، وذلك لما تتسم به الصالة من اتساع وغياب للتفاصيل الهندسية في أرجائها، حيث أن أعمال الفنان مُجتمعة يستحيل استيعابها دون فسحات من فراغ أبيض يحيط بها ويُلطف من حدة انفجاراتها اللونية والتعبيرية.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/05/12، العدد: 10630، ص(17)]

انفجارات لونية وتعبيرية

بيروت – يقول الفنان اللبناني أدونيس طعمة عن مجموعته الفنية الجديدة المقامة حاليا في صالة “وايت سبايسس” البيروتية “في لوحاتي أسعى دائما لإظهار كيف أن الأشياء التي تبدو منفصلة هي مرتبطة في صميمها، هذا ما دفعني إلى الرسم بشكل ضبابي بهدف دفع المتفرج إلى المشاركة في معرفة مدى ارتباط كل شيء بالشيء الآخر، أنا لا أرى الأشياء كما هي في الواقع، بل بالأحرى أراها من حيث ترابط بعضها بالبعض الآخر”.

وهذا قول لفنان يريد أن يتورط كليا في عملية الفن، ولا يريد أن يغوص كثيرا في التأويلات بعيدا عن الحالة “الطارئة” التي أنجبت له أعماله الفنية الجديدة المعنونة بـ”البساطة الخجولة”، ومن هذا المنطلق قد يحلو للبعض أن يطلق على هذه المجموعة، إضافة إلى العنوان الذي اختاره الفنان، عنوان “الفوضى الخلاقة”.

وليس المقصود بالفوضى الخلاقة تلك الفوضى التي تمهد لإقامة نظام مغاير تماما بعد أن تم قلب معايير الأشياء رأسا على عقب، بل المقصود بها هو ذلك التداعي اللوني النزق الذي لا يقيم حسابا إلا لمشاعر الفنان وضربات ريشته المتحركة على هوى مزاجه. ربما تقول لنا أعماله إن أدونيس طعمة يمارس حياته منذ فترة غير قصيرة بعفوية حماسية تسأم بسرعة وتتقد نيرانها بسرعة أيضا.

في معظم أعمال أدونيس طعمة تحدث تفجرات لونية وكأنها تحصل أمام عين المشاهد الواقف أمامها، وفي لوحات أخرى تبدو تلك الانبعاثات اللونية مشمولة برعاية تشكيل يعتمد على الأشكال الهندسية والخطوط المدروسة المسار والمتروكة في أحيان أخرى لحال سبيلها، وكأن الفنان ملّها بعد أن وضعها على قماشة اللوحة، ثم ما لبث أن مل ملاحقتها ليهبها حياة خاصة بها تستطيع من خلالها أن “تكون” بعيدة عنه وخارج سلطته، هنا تماما يجيء دور المشاهد في تحديد ماهيتها وماهية اللغة التي تريد اللوحة أن تتحدث بها معه، أي مع المُشاهد.

كما تأخذ لوحات الفنان حينا منحى تشكيليا جليا يحدد حضور الأشياء والأشخاص والكائنات والمشاهد الطبيعية المؤلفة في أحيان كثيرة من عدة طبقات لونية، تمنح اللوحة بعدا واقعيا حينا وسحريا حينا آخر.

أدونيس طعمة يمارس حياته من خلال لوحاته بعفوية حماسية تسأم بسرعة وتتقد نيرانها بسرعة أيضا

وفي أحيان أخرى يغلب التجريد على مزاج طعمة ليحشد في اللوحات مشاهد متتالية وكأنه يريد أن يعبر عن كل خاطرة مرت بذهنه قبل أن تهرب منه، كل ذلك يقيمه الفنان في أعماله ضمن سياق بصري جريء يعشق كل الألوان وكل الأشكال وكل الخطوط، من دون أي تفضيل.

يُذكر أن أدونيس طعمة من مواليد أكرا بغانا سنة 1942، وكان أول معرض منفرد له في عام 1976 في فندق كارلتون ببيروت. بعد ذلك -ولسوء حظه- خسر الجزء الأكبر من أعماله عند نشوب حريق في مرسمه خلال الحرب اللبنانية.

واستغرق الخروج من هذه التجربة المأساوية بعض الوقت قبل أن يعود إلى المشهد الفني في عام 2010 مع معرضين منفردين في صالة “سورفاس ليبر”، ثم في صالة العرض الفنية الخاصة بجامعة هيغزيان سنة 2011، ليقيم إثرهما العديد من المعارض الفردية والمشتركة في بيروت وأبوظبي.

إذا كان ثمة صفة يمكن أن تطلق بشكل عام على أعمال الفنان أدونيس طعمة فصفة أعمال “تفاعلية” تليق بها بشكل كبير، تفاعلية من دون أن تكون لها علاقة بعالم الفن الديجيتالي، أي بالتفاعل مع الجمهور من خلال مشاركة الفنان عملية تصميم أو تنفيذ العمل. لكنها لوحات تفاعلية من الطراز الأول، لأنها تترك للمُشاهد الحرية المُطلقة ليس فقط في تأويل اللوحات بل في “رؤية” ما يريد أن يراه فيها، حتى وإن كانت مناقضة تماما لما أراد الفنان نفسه التعبير عنه. وهذا التمشي مشهود لطعمة منذ معارضه الأولى، على الرغم من حرصه على وضع عناوين للوحاته تعطي المُشاهد أطراف خيوط قراءة منجزه، كالعناوين التي وضعها لأعماله في هذا المعرض، ومنها: “ربما”، و”اعتلاء حصان هارب”، و”العودة المنتظرة”، و”اللقاء”، وغيرها من العناوين.

في سياق ذلك لم يبتعد الفنان عما قاله في معارضه السابقة، من أنه يُحب أن يكتشف ما يراه الآخرون/المشاهدون في اللوحات، أكثر مما يحب أن يعثر على تطابق ما بين ما قصده في عمله وما بين ما رآه المُشاهد، لذلك يسهل القول عن أدونيس طعمة إنه يدخل إلى الساحة الفنية كمن يدخل إلى ملعب غني وهائل الاتساع، يتقلب في أدواره من مناهض إلى معاد لما يقدمه في لوحاته، ويتأرجح ما بين الأساليب والألوان على هوى نبضه الشعوري ضاربا عرض الحائط بالمقولة التي تفرض على الفنان أن يكون والدا أو ابنا لأسلوب واحد.

لا ضير في ذلك البتة، فما الحياة إلا ملهاة تراجيدية يسهل أحيانا ويصعب كثيرا في أحيان أخرى العزف على أوتارها دون التعرض لأي حادثة مؤثرة تُذكر.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر