الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

معرض وكتاب في بيروت احتفاء بمربع جبران طرزي

  • اتخذ المعرض الاستعادي الضخم الذي تقيمه صالة “صالح بركات” الفنية في بيروت للفنان اللبناني الراحل جبران طرزي عنوان “12 فصلا”، الذي وافق عنوان الكتاب الذي كتبه مراد منتظمي عن الراحل باللغتين الفرنسية والإنكليزية والمعنون بـ”جبران طرزي: الفصول الاثنا عشر”.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/05/19، العدد: 10637، ص(17)]

مربع بأبعاد فلسفية وروحية

بيروت – يُقسّم مُراد منتظمي مؤلف كتاب “جبران طرزي: الفصول الاثنا عشر” مسيرة الفنان اللبناني الراحل جبران طرزي (1944-2010) إلى عدة مواسم وهي تباعا موسم “بلا عنوان”، وموسم “السقوف”، وموسم “القايم نايم”، وموسم “الشرق”، وموسم “الأرابيسك”، وموسم “الخوارزميات”، والموسم “اللبناني”، وموسم “معصرة الزيتون”، وموسم “البحر المربع”، وموسم “الصناديق والمرايا”، وموسم “الباو هاوس” وأخيرا موسم “التجريد الميتافيزيقي”.

وسينتاب مُتابع هذه المواسم، إن من خلال تجواله في المعرض الاستعادي الذي أقامته صالة “صالح بركات” البيروتية، أو من خلال تصفحه للكتاب، شعور بطغيان تسلسل سحري أخذ بيد الفنان على الدوام ليوصله إلى أوج لحظته القدرية، وهي اللحظة التي انتشى فيها التجريد هيئات صوفية متكررة ومتحولة في تكرارها الذي انهارت تحت مربعاته كل الاختلافات الظاهرية.

واستطاع المعرض المعنون بـ”12 فصلا” بذكاء بصري أن يستعرض ما يقارب الأربعين عاما من العمل الفني، الذي بدأ بالصناديق الخشبية التراثية المزخرفة والمطعمة بالألوان الطبيعية والمنمنمات المعدنية، مرورا بالرسوم وإطارات المرايا وكتابات الفنان وملاحظاته ولوحاته التشكيلية التي شهدت تبلور ظهورات “مربعه” في ضوء توافد غزير مع تشابك لنظرياته الفنية والفلسفية والروحية.

كما يذكر الكتاب انتماء جبران طرزي إلى عائلة عريقة في مجال صناعة الحِرف الشرقية والسقوف والدواوين الشرقية، وقد اشتهرت صناعات هذه العائلة في لبنان وفلسطين وسوريا والمغرب ومصر منذ سنة 1860.

بالرغم من كون الفنان جبران طرزي قادما من عائلة عريقة في التصاميم والصناعات الشرقية، فإن أهميته وتفرّده في هذا العصر بشكل خاص يكمنان في مكان آخر، إذ استطاع أن يرمم الشرخ الذي أقامه الفن الغربي بداية بفن النهضة الإيطالية ما بين العمل الفني والعمل الحرفي.

وفي زمن النهضة الأوروبية أُسس ورُسخ معيار الجدارة الفنية بناء على مدى قدرة العمل الفني على تجسيد العالم الواقعي وفق الأبعاد الثلاثة وبالتوافق مع ما تراه العين، وكل ما هو دون ذلك فهو “دوني” وتزييني وحرفي. أما الفن الشرقي بشكل عام، والفن الإسلامي بشكل خاص، فلا يعترف كليا بما تراه العين وقد جاء غناه وتميزه بالقدرة على التجسيد البصري للمُطلق وللطبيعة من خلال انخراط عميق بعلم الهندسة والفيزياء وعلم الفلك.

التعبير عن فكرة التناقض والتوافق والصمت والصخب

وتكمن المفارقة في أن الفن الغربي تأثر لاحقا بهذا النمط من الرؤيا والتنفيذ، وظهر ذلك خاصة من خلال ممارسة الفن التجريدي، وما زال يلاقي هذا النمط أصداءه اليوم في الفن المفهومي، لا بل ظهر هذا التأثر في فكر أهم فيلسوف فرنسي، وهو ديكارت الذي قال يوما جملته الشهيرة “هو العقل الذي يرى وليس العينين”، معلنا بداية عصر التنوير الجديد، عصر سرد فصولا منه الفنان جبران طرزي من خلال دراسته للوحدات الهندسية الأكثر بساطة وتعقيدا والتي تتشكل منها الزخارف المنتمية إلى التجريد الهندسي الذي اشتهر به الفن الإسلامي بشكل خاص.

وتتالت أبحاث طرزي وتجاربه الفنية المتواصلة حول شكل المُربع كوحدة هندسية أخضعها لتنويعات مبنية على نظام زخرفي عُرف بـ”القائم/النائم” له أصداء وأبعاد فلسفية وروحية كبيرة، لا سيما حول وحدة تصميم الكون ووحدة الوجود ومرده أصل واحد.

ومن خلال المربع أسهب الفنان في التعبير عن فكرة التناقض والتوافق والصمت والصخب والفراغ والامتلاء، الضوء والعتمة، النافر والمقعر في أشكال جمالية لا هي تنضب ولا يملّ منها الفنان، أشكال تتطابق مع فكر ابن الهيثم الذي اعتبر أن “الصورة المرئية” هي ليست الصورة الذهنية التي تستولدها المخيلة وما ينجم عنها، وهي ليست مجرد تطابق مباشر مع المشهد الخارجي/السطحي الذي تراه العين البشرية.

كذلك يعكس فن جبران طرزي فكرة أن لا تنافر ما بين المعارف العلمية والفنية، فكلاهما يشتركان في عملية إدراك الوجود والتماس الأفكار المجردة، وهو أمر لطالما كان غريبا عن العالم الغربي.

ولأجل ذلك، ربما، تبدو العمليات الحسابية الدقيقة التي يجريها الفنان قادمة من صلب هذه “الطريقة” وجزءا مصيريا من العملية الفنية.

النسب اللونية المنسجمة والمتوازنة في لوحات جبران طرزي، خاصة في أعماله الأخيرة، تتبع هي أيضا على ما يبدو المنطق المشرقي، وتولي الضوءَ أهمية بالغة، ويمكن أن يُنظر إلى اللون وإلى كيفية استخدامه في اللوحات بتدرجات حسابية دقيقة، وهو مثال آخر عن كلام ابن الهيثم حين اعتبر أن الفن العربي يثمّن الألوان، إلاّ أنه لا يراها كوجود بحد ذاته بقدر ما يراها عرضة للتغير بحسب تبدل الضوء.

والضوء هو قيمة مجردة خلافا للون؛ تتبدل مظاهر الألوان أمام العين البشرية، وبالتالي هي تأكيد على حاسة البصر النسبية وخداع الصور الواقعية التي هي في حقيقتها “غير واقعية”.

ويتساءل صاحب صالة العرض “صالح بركات” عن سبب الظل الذي قبع في كنفه الفنان جبران طرزي ولم يعرف الشهرة التي يستحقها، واعتبر انجذاب الفنان نحو الفن المشرقي بهذا الشغف قد يكون سببا أساسيا في عالم يلهث وراء التجارب الغربية في الفن.

اليوم، يبدو جبران طرزي “حقيقيا” أكثر من الفنانين المعاصرين، لأنه مصهر حضارات المنطقة، وهو معاصر أكثر من الفنانين المعاصرين، لأن أعماله خارج منطق المكان والزمان والصورة المباشرة، تماما كما هو الفن المشرقي.

كما أن تجربة الفنان في الكتابة والرسم قربته بشكل كبير من الفن العربي، حيث النص المكتوب هو أيضا فن بصري، فن جبران طرزي كما هو اليوم الفن المعاصر، يُسائل كل الحقائق المكرسة من جديد ويؤازره الشك في كل ما تراه العين.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر