الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

إقصاء الضوء

نوافذ كتلك المشربيات تحمل النور على أكف الصمت وإن اشتعل الضجيج خارج المنازل، إنها أعمال فنية تليق بكل مدينة عربية معاصرة ومنسجمة مع تاريخها العريق وليست متنصّلة منه.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/05/19، العدد: 10637، ص(17)]

عندما كتب الشاعر محمود درويش “أطل كشرفة بيت على ما أريد” يستحيل أن يكون قصد بكلماته الإطلالة الفيزيائية/الواقعية من إحدى الشرفات أو شبابيك مدينة بيروت التي أحبها وأحبته.

كما يستحيل أن نعتبر أن شرفة البيت، أي بيت في مدينة بيروت يمكن أن تؤمن للشاعر أو لأي طبيب جراح أو لأي فرد آخر إطلالة مفتوحة على مشاهد خيالية يتمنى تارة أن يراها ويهاب تارة أخرى من أن يراها تتقدم نحوه.

ربما نعثر على تلك الشرفات بشكل استثنائي في المباني الفخمة والباهظة الأسعار والمتوفرة للأقلية من المواطنين فقط.

هنا في بيروت، الشرفات هي شرفات استثنائية أمسكت بزمام الرؤيا من كل زواياها، أسست بذلك لمنطق عيش الفرد وطريقة استيعابه لما يحيط به من نشاز أو جمال، ومن عدل أو باطل.

باتت هذه الشرفات مع مرور السنوات تحميه من الخوف وتحميه من الحلم أيضا، فهي تشرف على جدران من الاسمنت المسلح وغير المسلح نما بفوضى مدنية غير مسبوقة ويكاد يلامسها على أمل أن يتخطاها يوما ما، لِمَ لا؟ فكل شيء ممكن في مدينة العجائب، بيروت.

في ظل هذا الاختناق “تظهر” لك وأنت تتجول في الشوارع البعض من المنازل العتيقة ذات الشرفات الواسعة التي لا زالت تحتفظ برونقها، شرفات تطل على فسحات عشوائية من الأعشاب الكثيفة والأشجار التي ارتصّت على بعضها البعض بعد أن ضيّقت فضاءها المباني العصرية المجاورة.

تحيلك تلك الشبابيك العتيقة التي تنسدل عليها بقايا ضلوع من خشب دقيق كانت تجعل منها في ما مضى مشربيات رائعة، تحيلك إلى زمن كانت فيه هذه الشرفات أو النوافذ من العناصر الهندسية شبه المقدسة ليس فقط لأنها تؤمّن الراحة لأهل البيت، أو لأنها جميلة في تخاريمها، بل لأنها تؤمن الاتصال بالمُطلق. يكفي الاطلاع على اللوحات التشكيلية والصور الفوتوغرافية التي صورت تلك المشربيات ليس كأشكال فنية، بل كمراسيل النور المُجرّد إلى قلب المنازل لتدرك أن الحياة هي ربما في مكان آخر.

لعل أبلغ من تكلم عن خاصية هذا التلاقي شبه المفقود اليوم ما بين الضوء والإنسان الجالس خلف نافذة منزله المشرقي هو ابن الهيثم، فالاطلاع على أفكاره حول الزخرفة الإسلامية وهندسة المشربيات كفيل بأن يجعلك تتذوّق حضورها في اللوحات والصور بشكل أعمق وأشمل، كما يجعلك أيضا تتوق إلى نوافذ معاصرة تستوحي المشربيات في وسط مدينة كبيروت عامرة بالفوضى وشتى أنواع الخيبات والتفاؤل الشرس في الآن ذاته.

اعتبر ابن الهيثم، العالم والفيلسوف والفنان/المهندس ومكتشف أو صانع “الحُجرة المظلمة” التي أرست الأساس لـ”كاميرا أوبسكورا” الأوروبية، أن المشربيات في الثقافة العربية المسكونة بالضوء هي وحدات هندسية رمزية كباقي الوحدات في الزخرفات التجريدية الإسلامية المبنية وفق نظام علم الرياضيات والفيزياء وعلم الفلك، ومن خلال تخريمات المشربيات ينفذ الضوء إلى داخل المنزل ليأخذ تكوينات زخرفية تتسع وتضيق، تشتد أو تتقد على هوى مرور الوقت وتبدل الطقس.

لم يعتبر ابن الهيثم أن الصور الخارجية للعالم والتي شغلت الثقافة الغربية هي نسخ عن الأشياء الحقيقية، بل عبارة عن مجموعة هائلة من نقاط من ضوء يمكن احتسابها وتقييمها بواسطة علم الرياضيات الذي بدوره يشير إلى الخالق، المهندس الأكبر.

هكذا نوافذ اعتبرت استحضارا للنور من الخارج إلى الداخل، وليس كما في الثقافة الغربية هدفها الإطلالة من داخل المنزل على المشاهد والصور الخارجية.

نوافذ كتلك المشربيات تحمل النور على أكف الصمت وإن اشتعل الضجيج خارج المنازل، إنها أعمال فنية تليق بكل مدينة عربية معاصرة ومنسجمة مع تاريخها العريق وليست متنصّلة منه.

وإذا كانت تلك المشربيات التي كانت تعج بها بيروت قديما تشير إلى كل ذلك، فما الذي تريد أن تقوله لنا نوافذها الحاضرة الآن والصابرة على مصائبها؟

ناقدة لبنانية

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر