الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

في المال الفاسد والفساد السياسي بتونس

ما يقوم به رئيس الحكومة من تتبع للفاسدين يستحق كل الدعم وكل التأييد، وينبغي أن لا يكتفي بما ظهر من فساد بعد يناير 2011 بل ينبغي أن يتتبع كل عناصر الملف حديثها وقديمها.

العرب د. إبراهيم بن مراد [نُشر في 2017/06/01، العدد: 10650، ص(9)]

تتابعُ البلاد التونسية بكاملها هذه الأيام حلقات ملفّ الفساد بعد أن أقدم رئيس الحكومة يوسف الشاهد بكل شجاعة على فتحه، وهو أوّل مسؤول عن السلطة التنفيذية في الجمهورية التونسية الأولى والثانية تكون له الشجاعة لفتح هذا الملف الخطير رغم استفحال مظاهر الفساد وكثرة الممارسين له والمنتفعين به والمدافعين عنه منذ السنوات السبعين من القرن الماضي.

وقد كان التونسيون يتندرون بأسماء بعض الفاسدين وخاصة من الرؤساء المديرين العامين للمؤسسات الوطنية الذين يملؤون منها جيوبهم وجيوب المقربين منهم حتى يبلغوا ببعضها درجة الإفلاس، ثم يكون جزاؤُهم نقلتَهم إلى مؤسسات أخرى ليتصرفوا فيها في الغالب تصرفهم في المؤسسات السابقة.

ومن الفاسدين القدامى من ينطبق عليه اليوم قول الشاعر الحطيئة في رسالة الغفران لأبي العلاء المعرّي عن الزبرقان بن بدر -وقد كان الحطيئة قد هجاه فعاقبه الخليفة عمر بن الخطاب- عندما سأله ابن القارح عن شأنه في الآخرة “هو رئيس في الدنيا والآخرة”. فإن من الفاسدين من كان “رئيسا” زمن الرئيس الحبيب بورقيبة ثم زمن زين العابدين بن علي وتواصلت له الرئاسة بعد يناير 2011.

وقد بلغ الفساد في زمن بن علي ذروته مع عائلة زوجته التي تحكمت في دواليب الدولة والاقتصاد والتجارة والمشاريع الوطنية فأثْرَت الثراء الفاحش بعلمٍ من الرئيس وغضٍّ للطرف عن تجاوزاتها، وكانت التجاوزات تحدث على أيدي أفراد العائلة أنفسهم أو بتكليف منهم لبعض عملائهم ممن بدؤوا جياعا يلهثون خلف “البراوط” بحثا عن الرزق ثم أصبحوا في مدة قصيرة من ذوي الثروات الطائلة.

وقد ظهر للعلن بعد يناير 2011 ما كان مخفيا قبله فجرف “الانفلات” كل الساعين وراء الثروة بحلالها وحرامها فكثر المهربون وتنوعت المواد المهربة وتعددت أساليب التهريب وقويت المضاربات المالية والحيل التجارية والرشاوى والوساطات المدفوعة الأجر؛ وانساق كل من زينت له نفسه “الأمارة بالسوء” مخالفة القانون وراء “الثراء السهل” ينْشدُه ويضحّي في سبيله بما استطاع.

وإذا علمنا استهانة التونسي بالروح البشرية -بداية بروحه هو- كما تدلّ على ذلك أحداث الانتحار المتعددة وأحداث القتل المتكررة في المجتمع، تغذي ذلك كله نرجسية مفرطة وحبّ للذات وإيثار للنفس قويّان جاز لنا أن نتصور سهولة انقياد التونسي إلى “أوامر نفسه السيئة” بالاعتداء على مال الغير وخاصة على المال العام وعلى مصالح الدولة، إلى درجة أن أصبح “الاقتصاد الموازي” يمثل 54 بالمئة من اقتصاد البلاد، وليس من باب الصدفة أن يشتهر وصف التونسي للمال العامّ بـ“رزق البيليك”.

وما كان لهذا “الانفلات الفسادي” -نسبة إلى الفساد- ليقوى لو لم يجد المواطن مشجّعات عليه ودوافع إليه مبرِّرة له في السياسة ولدى السياسيين. وأوّل مظهر له في نظرنا قد حدث يوم سوَّلَ الإسلام السياسي لنفسه معتمدا أغلبيته الحزبية في المجلس التأسيسي أن يأخذ من المال العام تعويضات لأتباعه ومؤيديه بدعوى جبر الضرر على ما أصابهم من الظلم أيام كانوا “يناضلون”، وهم يعرفون جيدا أنهم ما كانوا يناضلون من أجل الرقي بتونس وبالتونسيين بل كانوا “يحاربون” من أجل الوصول إلى السلطة لتغيير نظام الدولة وتغيير نمط المجتمع التونسي قسرا باسم الدين وكأنهم الأوصياء عليه.

ولم تنته طلباتهم بما حصلوا عليه باسم القانون الذي سنّوه بأنفسهم، بل هم ما زالوا ينتظرون أن يُعْطَوْا أكثر مما أخذوا ليزداد الأثرياء منهم ثراء، رغم ما عليه اقتصاد البلاد من ضعف هم كانوا سببه الرئيسي.

ثم إن هذا الانفلات قد ازداد قوة في عهد الترويكا نفسها فكانت قصصٌ تداولها التونسيون وعَرفَت طريقها إلى الصحافة، ثم طُمِسَتْ رغم أن منها ما عرف طريقه إلى القضاء مثل ما عرف بالهبة الصينية والهبة المعطاة إلى إمام جامع اللخمي المعزول والمال المهدور في قضية البنك الفرنسي التونسي، تضاف إليها أحداث أخرى بدأت تدخل طيّ النسيان مثل صفقة توريد العجول من الأورغواي والبرازيل، وابتزاز رجال أعمال فاسدين كانوا مهدّدين بالمحاكمة، وابتزاز البغدادي المحمودي الوزير الأول الليبي السابق… إلخ.

ولكن ما زاد الطينَ بلّة وظاهرةَ الفساد استفحالا هو دخول رجال الأعمال في السياسة، ولم يكن دخولهم في الغالب من أجل مصلحة البلاد بل من أجل مصالحهم الخاصة.

ومن أبلغ الظواهر المعبرة عن هذا النوع من الفساد ما عرف وما زال يعرف بـ“السياحة البرلمانية” بانتقال النواب بيسر من حزب إلى آخر ومن كتلة برلمانية إلى أخرى وخاصة إذا كان وراءها رجال أعمال، وليس ذلك الانتقال في الغالب من أجل الدفاع عن المبادئ أو الانتصار للمواقف بل الدافع إليه هو تحقيق الربح العاجل إما سياسيّا وإما ماديا.

وقد عرفت البلاد في فترة حكم الترويكا “حُزَيِّبًا” يرأسه رجل أعمال أراد أن يكون له في السياسة شأن ليستطيع الدفاع عن شؤونه الخاصة فكوّن كتلة في المجلس التأسيسي بنواب انتقلوا إليه من الأحزاب الأخرى بعد حصولهم منه على سيارات وأموال، ثم انسلخوا عنه ليلتحقوا بأحزاب يشرف عليها رجال أعمال آخرون مثل الاتحاد الوطني الحر وحزب حركة الجمهوريّة.

وقد ازداد تدخل رجال الأعمال في السياسة استفحالا بعد سنة 2014 إذ نجد منهم من انتمى إلى بعض الأحزاب ذات الأغلبية البرلمانية وسار فيه سيرة صاحبه رئيس “الحزيّب” في عهد الترويكا، فوهب لبعض أعضاء كتلته النيابية أموالا وسيارات ومساكن واجتلب إلى الحزب أعضاء جددا من آفاق مختلفة أضعفها الأفق السياسي، بل إن من صحافة هذا الأسبوع (ينظر في جريدة الشروق ليوم 30 مايو 2017) ما تحدث عن “شبهات فساد في بعض النصوص التشريعية التي تمت المصادقة عليها” في مجلس النواب إذ تمت المصادقة عليها رغم أنها “لا تصب في خانة المصلحة الوطنية بل هي مكسب صرف ومحض لأشخاص بعينهم”، وهؤلاء الأشخاص هم رجال الأعمال المتهمون بإرشاء النواب.

فإذا أضفنا إلى هذا آفة المحاصصة الحزبية التي أرست الترويكا قواعدها ثم وجدت فيها أحزاب الائتلاف الحاكم اليوم طريقة سهلة ممهدة لتعيين ذوي القربى الحزبية أو العائلية في المناصب السياسية والإدارية رغم أن البعض منهم يكاد يكون أميا أحيانا، عرفنا بعض المداخل الأخرى التي يتسرب منها الفساد إلى السياسة وإلى المجتمع.

وذلك كلّه يعني أن تدخل رجال الأعمال أصحاب المال الفاسد في السياسة إنما يُفْسِدُ السياسة كلها ويكون له أسوأ الأثر في السلطة التشريعية، وهو لا يقل سوءا عن تدخل القوى الأجنبية لتمويل أحـزاب تونسية لا تجد حرجا في الدفاع عن مصالح الأجانب السياسية والاقتصادية، ونعلم اليوم أنّ من الأحزاب ما لا تزال صناديقه مفتوحة للأموال الأجنبية دون حسيب أو رقيب؛ بل إن لتدخل رجال الأعمال في السياسة دون ضوابط باسم الحرية السياسية وحرية التحزّب أفسدَ الأثر في التجربة الديمقراطية التونسية التي لا يمكن لها أن تستمر إذا تلاعبت بها مصالح أصحاب المال الفاسد.

وما نعرفه في التجارب الديمقراطية العريقة هو تتبع الفاسدين والمفسدين وخاصة في مجالي السياسة والاقتصاد تتبعا صارما بمعاقبة كل من عرّض نفسه للعقاب. بل إن قوانينهم قد ضبَطت لكل خطإ مهما صغر العقابَ الرادع الذي يستوجبه، ولذلك نتابع في الصحافة الفرنسية مثلا ما تقوم به أجهزة الدولة من حين لآخر من مراقبة مستمرة لسلوك رجال السياسة والاقتصاد لتخليص المجالين من الفاسدين والمفسدين فيهما.

ولذلك كلّه فـإن ما يقـوم به رئيس الحكومة من تتبع للفاسدين يستحقّ كل الدعم وكل التأييد، وينبغي أن لا يكتفي بما ظهر من فساد بعد يناير 2011 بل ينبغي أن يتتبع كل عناصر الملف حديثها وقديمها، وكل لين أو تراخ في معالجة الملف -نتيجة تدخل “حُماة” الفساد خاصة- ستكون نتائجه كارثية.

كاتب وجامعي تونسي

د. إبراهيم بن مراد

:: مقالات أخرى لـ د. إبراهيم بن مراد

د. إبراهيم بن مراد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر