الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

شوط الانتخابات في العراق.. اللعبة القاتلة

ما زال الاستقطاب الطائفي يلعب دوره القاتل، وجاذبا للبسطاء بسبب كوارث الاحتراب الطائفي للسنوات العشر الماضية.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2013/12/23، العدد: 9418، ص(9)]

في العراق طقوس موسم الانتخابات لا مثيل لها حتى في البيئات السياسية الأفريقية أو اللاتينية حديثة العهد بالديمقراطية، ففي تجارب تلك العوالم تدربوا على قواعد في المنافسة تعتمد أولا على التسليم بأحكام الفشل والنجاح أمام الجمهور. المستسلمون للفشل يفتحون الطريق أمام حظوظ غيرهم سواء من داخل أحزابهم أو مجموعاتهم أو خارجها وهذه هي القاعدة الأولى لديمقراطية المنافسة. في العراق الذي يطالب بعض مسؤوليه الآخرين في المنطقة أن يتعلموا من تجربته الفريدة، المرشح لا يخضع لهذه القاعدة الجوهرية، لأنه جزء من حالة قبلية وحزبية ومافيوية متخلفة في السياسة، لا ميزة فيها بين الفاشل والناجح لأن الجميع فاشلون، وحده المواطن هو المتضرر.

متصدرو المشهد من طينة واحدة وإن تعددت أشكالهم وألوانهم، والخيار السهل المتاح أمام المواطن هو مقاطعة الانتخابات، وهو خيار سلبي يعطي الفرصة للمهيمنين للتحكم بفرص الفوز، والنتيجة كارثية حتى لو توفرت الفرصة لدخول الملعب لكفاءات من النخب السياسية والثقافية من أصحاب الأيادي البيضاء، ممن لم يتورطوا في اللعبة الطائفية والفساد.

وهذا ما يحصل حاليا في عملية بناء الكيانات الانتخابية والائتلافات حيث تبلورت دعوات وطنية نظيفة من سياسيين ووجهاء مجتمع ومثقفين وتكنوقراط دعم بعضهم ورعى مشاريعهم عراقيون من أصحاب رأس المال الوطني، دخلوا الملعب بمشروع عابر للطائفية مجازفين بمخاطر تعرض استثماراتهم ومشاريعهم لحرب قاسية وقذرة من قبل الكواسج المهيمنة في بغداد. بناة المشروع الوطني العراقي يدخلون اليوم المربع الأصفر تمهيدا لدخولهم المربع الأحمر وهي المنطقة المدججة بعُدّة من مقاتلين شرسين لا مانع لديهم من استخدام جميع الأسلحة القذرة. إن أية محاولة للاقتراب من منطقة نفوذ الحيتان الكبيرة معناها المغامرة بمصير مجهول. ومع هذه المخاطرة فإن حظوظ هذا المشروع جاذبة إذا ما أحسن صناعة الجسم القيادي لكيانه، وترتيب دقيق لاستراتيجيات وخطط العمل اللوجستية له.

ودائما ما يُستحضر درس “القائمة العراقية” بزعامة إياد علاوي الذي وصل المراحل النهائية من الشوط خارج اللعبة الطائفية، لكن النتيجة معروفة، في إرغامه على مغادرة موقع الحكم، وهو يحاول اليوم بإصراره السياسي مواصلة مشروعه بجسم جديد متواضع الحجم، دون إمكانيات الدعم المادية أو المعنوية التي تمثلت بالتفاف العرب السنة ومساندتهم لمشروع القائمة العراقية، ففي العراق توجد تقاليد بناها سيئ الصيت بريمر ورسمها ونفذها السياسيون فقهاء الطائفية، وهي شروط سهلـت أمام ضعاف التجربة السياسية وغير القادرين على مقاومة إغراءات المال والسلطة الاصطفاف داخل واحد من البلوكات الطائفية التي لا يتجاسر أحد على الاقتراب من مقاماتها.

يمثل العرب السنة مساحة مهمة من خيارات الحكم في العراق رغم ما تعرضوا له من تهميش وإقصاء وملاحقة وقتل، فحتى لو سلمنا بنظرية أن السنة هم الذين حكموا العراق وهذا حالهم في كل بلاد العرب، فهذا يعني أن لديهم كفاءة سياسية عمرها تسعون عاما يصعب إلغاؤها أمام أية دعوة حقيقية نزيهة لبناء دولة المواطن المدنية، وهذه الطبقة السياسية وجمهورها الكبير رغم عمليات القضم والإقصاء الطائفي أعطت أصواتها لزعيم شيعي (علاوي) ولقائمة غير طائفية، بما يعني واقعياً إن المشروع الطائفي يمكن محاصرته وتطويقه.

ملعب الشوط الانتخابي ترتصف على جانبيه علامات تختبئ تحت أغطيتها المفخخات وكاتمات الصوت واللواصق، تهيمن على مفجراتها شبكات خاضعة لجمهرة من أنصاف السياسيين، بل إنهم يصلحون للعمل في معسكرات للمليشيات أكثر من كونهم داخل كيانات حزبية سياسية، وهناك اكتظاظ وتدافع يصل حد التراشق بالألفاظ الرخيصة، عبر شاشات الفضائيات المملوكة أو التي ستستأجر من مال الشعب المسروق. إذن أية محاولة لتغيير طبيعة اللعبة المقيتة تحتاج إلى خيارين: إما التغيير الشامل من الطائفي إلى الوطني، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بافتراض انقلاب عسكري كمثال مصر وهذا صعب المنال في العراق لأن من حَلّ الجيش العراقي الوطني يعرف أن وجوده كان يمكن أن يكون ضمانة أمام الانحراف السياسي.

أما الخيار الثاني فهو التشبث بالمشروع الوطني، وهذا يحتاج إلى جلد ومطاولة من محاولات الاختراق والتفتيت، عناوين هذا المشروع مشتتة حاليا وتخضع لعمليات ضغط متعدد الوجوه من قبل الحيتان الكبيرة لكي تضمها إلى أحد من أركان النادي الطائفي (سني- شيعي) إلا أن صمود قواه، سيوفر إمكانيات الصمود بوجه اللعبة القاتلة التي تجتاح العراق.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر