الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

السياسة والهباءات البشرية في تونس

العروشية في تونس تسببت منذ سنة 2011 في سقوط أكثر من ثلاثين قتيلا وحوالي أربعمئة جريح، ويمكن أن نعد هذه الحصيلة نتاجا من إنتاج 'الثورة المباركة' وأثرا من آثار فترة حكم الترويكا التي زين واجهتها الإسلام السياسي.

العرب د. إبراهيم بن مراد [نُشر في 2017/07/06، العدد: 10683، ص(9)]

طالعتنا صحافة الأسبوع الماضي والأسبوع السابق له بمقالات وتحقيقات وتعاليق مفزعة حول ظاهرة “العروشية” أو “العشائرية”. فإن العروشية في تونس قد تسبّبت منذ سنة 2011 في سقوط أكثر من ثلاثين قتيلا وحوالي أربعمئة جريح، ويمكن أن نعد هذه الحصيلة نتاجا من إنتاج “الثورة المباركة” وأثرا من آثار فترة حكم الترويكا التي زيّن واجهتَها الإسلام السياسي. فلقد سمح إمساكه بزمام السلطة للشياطين التي كانت نائمة في البلاد أيام “الجمهورية الأولى” بأن تستيقظ، وسمح للغرائز التي كانت هاجعة في العباد بأن تفيق، فكان الانفلاتُ في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية وأحْيِيَتْ ظواهرُ ومظاهر كان التونسيون يعتقدون أنها أصبحت من حديث الماضي، ومنها العصبية العروشية.

دخلتُ المدرسة الابتدائية مع بداية برنامج المرحوم محمود المسعدي وكانت البلاد مقبلة على عهد جديد بعد حصولها على الاستقلال، وكان من أهم غايات دولة الاستقلال أن تخلق من القبائل والعروش ومختلف العصبيات الإتنية والعرقية والمذهبية والدينية شعبا واحدا تؤلف بين أفراده لحمة قوية اسمها “الوحدة الوطنية”. لقد كانت فرنسا الاستعمارية- حسب ما كان الزعيم الحبيب بورقيبة يردده في خطاباته- تعتبر التونسيين مجرد “هباءات بشرية” نتيجة ما يغلب على المجتمع التونسي من التفكك بسبب استفحال العصبيات القبلية والعروشية واستقواء البعض على البعض إما بالمال وإما بالجاه وإما بالقرب من السلطة.

بل إن التونسيين جميعا كانوا يعيشون حالة من العصبية السياسية الغريبة الموروثة من العهد الحسيني نتيجة الصراع الذي دار بين الحسين بن علي وعلي باشا باي ابن أخيه على السلطة في النصف الأول من القرن الثامن عشر، وتولد عنه “صفّان”: صف الحسينية وهم أنصار حسين بن علي، وصف الباشيّة وهم أنصار علي باشا. وقد عُرِفَ الفريقان باسمين آخرين هما “صف يوسف” للحسينية و”صف شدّاد” للباشية. وقد تداول الرجلان على السلطة وانتقلا إلى رحمة الله ولكن الخلافات بين الصفين قد تواصلت إلى منتصف القرن العشرين، وأنت قد تجد القرية الواحدة منقسمة بل قد يكون الحي الواحد في القرية الواحدة منقسما إلى عصبيتين دون أن يعلم المتعصبون ماذا يمثل يوسف وماذا يمثل شداد. وكم من معارك قامت ومن غزوات شُنّت ومن أرواح أزهِقَت باسم العصبيتين حتى وقت متأخر من فترة الاستعمار؛ وقد كانت تلك المآسي وحدها كافية لأن ترى فرنسا في التونسيين بسببها “هباءات بشرية”.

لقد كان التعليم في دولة الاستقلال من أفضل الوسائل لمحو الفوارق بين التونسيين إذ كان الصغار يلتقون في القسم ويجلسون مع بعضهم على الطاولات الخشبية دون تمييز بينهم في الجنس واللون والطبقة الاجتماعية، وبذلك حلت الصداقات محل العداوات وقام التآلف مقام التباغض. وقد كادت الفتنة اليوسفية بُعَيْد الاستقلال تعصفُ بما بدأ يتحقق إذ انقسم التونسيون من جديد إلى “بورقيبية” و”يوسفية”، بل انقلب هذا الخلاف إلى عصبية جهوية بين الشمال والجنوب، لكن التونسيين قاموا باختيارهم وحسموا أمر الخلاف وشرعوا في بناء “الوحدة الوطنية” وبدؤوا ينسون مفهوم القبيلة والعرش والجهة، وقد زاد انتشارُ التعليم الذي كان إجباريا وارتفاعُ نسب التثقيف وتداخلُ الأنساب وتمازُجها بين الجهات تلك الوحدة قوة. وأنت تنظر اليوم إلى كل ذلك فتراه يتهاوى وينهار، وترى العصبيات القبلية والعروشية والجهوية والمذهبية ترجع بقوة. وتسأل عن السبب فتجد أسبابا قد بدأت تفعل فعلها منذ سنة 2011 مع انطلاق شياطين الفتنة والانفلات من عقالها.

ومن تلك الأسباب غلبة نِسَب الأمية وانحسارُ مستوى التثقيف، ولك أن تنظر في تطور عدد المنقطعين عن الدراسة لتتصور فداحة الظاهرة، فقد بيّن تقرير للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن عدد المنقطعين كان سنة 1985 ستة وعشرين ألفا وتزايد ارتفاعه حتى بلغ في السنة الدراسية 2012 – 2013 مائة وسبعة آلاف، وقد تطور هذا العدد في سنة 2015 – 2016 حسب الإحصاء المدرسي الذي أصدرته وزارة التربية سنة 2017 ليصبح 113 ألفا. وهذه الأعداد تنضاف في كل سنة إلى الأعداد التي سبقتها في السنوات الماضية ليتكوّن منها شعب جله أميّ ينقاد إلى ما تدفعه إليه غرائزه وتمليه عليه “النفْس الحيوانية” فيه حسب عبارة فلاسفتنا القدامى.

والحقيقة أن هذا التطور المفزع إنما حصل نتيجة عوامل منها ظروف المتعلمين الاجتماعية بلا شك، ولكنْ منها أيضا النظرةُ الرسمية إلى المدرسة والتمدرسِ منذ اعتلت الترويكا كرسي الحكم إذ تعددت في فترتها المدارسُ التي أغلقت والأقسامُ التي لم يسمَّ لها مدرسون واللامبالاةُ بتطوير منظومة التعليم، ولهذه اللامبالاة نفسها أسبابٌ منها أن وزير التربية الذي كان مباشرا في حكومة حمادي الجبالي كان يريد أن يتخذ الوزارة معبرا إلى منظمة إقليمية، ومنها أن الإسلام السياسي يفهم العلم والتعليم فهما مخالفا للتونسيين قد تجلت مظاهره في إرجاع التعليم الزيتوني والتشجيع على فتح المدارس الدينية والروضات القرآنية، بل إن الانقطاع المبكر عن الدراسة يوفر له- حسب بعض الملاحظين- الجماعات التي يمكن له أن يستقطبها وأن يكوّن منها الأتباع المتحزّبين والمؤتمرين بأوامره.

ومن تلك الأسباب أيضا دعم عدد من السياسيين للعصبيات الجهوية، وقد بلغت “العبقرية السياسية” ببعضهم حد الدعوة إلى تقسيم البلاد إلى جنوب وشمال، وتشجيع الاحتجاجات والاعتصامات ذات الدوافع الجهوية والمشاركة فيها. بل إن من الترويكيين من لم ير حرجا في المناداة تلميحا أو تصريحا أثناء الحملات الانتخابية خاصة بالانفصال بين جنوب البلاد وشمالها، بل إن من عُتَاتِهم من تفتقت قريحته بنظام “الديمقراطية التشاركية” التي تقوم على تقسيم البلاد إلى أقاليم تتمتع بالشخصية القانونية وبالاستقلال الإداري والمالي، وقد وجد هذا التصور طريقه إلى دستور يناير 2014 وينتظر تطبيقه بداية من سنة 2018 بعد الانتخابات البلدية. ونأمل ألا يكون ما ستُقْبِلُ عليه البلاد من هذا التسيير الذاتي لمختلف الجهات التي ستتكون منها الأقاليم مندرجا في ما كان وما زال بعض الأحزاب يسعى إلى تحقيقه من انفصال بين الجهات وخاصة بين جنوب البلاد وشمالها. فليس في مفاهيم “اللامركزية” و”التمتع بالشخصية القانونية” و”الاستقلالية الإدارية” و”الاستقلالية المالية” ما ينبئ باستمرار ما عرفته البلاد منذ الاستقلال من “وحدة وطنية”. بل إن هذا النظام الجديد نفسه يشجع على ظهور العصبيات العروشية واستفحال الطوائف المذهبية واستقواء النعرات الجهوية، في مجتمع قد بدأ التفتت والتفكك يدبان فيه دبيبا بعد سنة 2011 نتيجة الانفلات الذي عم البلاد واستهوى أناسا كثيرين وجدوا فيه ضالتهم ليعيثوا فسادا، وغياب الدولة التي كان القائمون عليها من الإسلاميين ينشدون التمكين لهم وللإسلام السياسي أولا.

ومن تلك الأسباب أيضا ما نسميه “الانفجار الحزبي”. فإن كثرة الأحزاب التي تجاوزت المائتين في شعب قليل العدد دليل على التفتت والتفكك أيضا، ونحن نرى ذلك هذه المدة جليا في الإعلانات المتزايدة التي تصدر عن “زعماء الشقوق” المنحدرة من نداء تونس منبئة بتكوين أحزاب جديدة. ولكثرة الأحزاب أخطار كثيرة أهمها في العاجل اثنان: أولهما هو تقوية التشتيت المجتمعي والطائفية الحزبية بالإكثار من الكتل الحزبية التي يكرر بعضها بعضا وليس لمكوِّنيها في الغالب من غاية سياسية غير الوصول إلى السلطة، فإن الحزب قد يقوم مقام القبيلة أو العرش أو العائلة أو الطائفة الدينية، ولا فرق بين التعصب لها والتعصب له. وأما الخطر الثاني فهو إفساح المجال الواسع للإسلام السياسي كي يتمكن من جديد، فإن البسطاء والمغفلين من السياسيين المظهرين لإيمانهم بمدنية الدولة يتغافلون عن هذه الحقيقة: وهي أنه كلما ازداد عدد الأحزاب ضعف حظها في الانتخابات- ولو تحالفت- وقوي حظ حزب النهضة في الحصول على المرتبة الأولى، وعندئذ “ترجع حليمة إلى عادتها القديمة”، وتذرو الرياح العاتية الهباءات البشرية التي كانت تكون الشعب التونسي.

كاتب وجامعي تونسي

د. إبراهيم بن مراد

:: مقالات أخرى لـ د. إبراهيم بن مراد

د. إبراهيم بن مراد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر