الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

ماذا نكتب للأطفال ونحن نعتبرهم كيانات قاصرة

ليس ثمة ما يمكن أن يحدّ من خيال الطفل أكثر من تربيتنا الركيكة الخائفة على الأطفال ومنهم، والتي تريد منهم أن يكونوا صورا منا ونسخاً عنا.

العرب نوري الجراح [نُشر في 2017/07/09، العدد: 10686، ص(11)]

ثقافة تحطيم الأجنحة (لوحة: محمد عرابي)

هل يبدو مشروعاً أن تقودنا المغامرة مع اللغة إلى كتابة قصص يصعب تصنيفها إن كانت للأطفال حقاً؟ أو هي لهم ولغيرهم؟ ولكن من هم الأطفال؟ هل هم فقط الصبيان والبنات اللواتي والذين تتراوح أعمارهم ما بين 4 سنوات و14 سنة؟ أظن أن هذا التعريف بليد بعض الشيء.

ورغم أن هذه الفئات العمرية، هي فئات معتمدة من قبل من يسمّون بكتّاب الأطفال المحترفين، وفي ثقافتنا العربية، لدى هؤلاء الكتاب قاموس قارّ من الموضوعات يلتزمونه أثناء الكتابة كوصفة العطار، فإن الكتابة الإبداعية من طبيعتها أن تتمرد على هذا التصنيف، وتلك الوصفة. وكل تصنيف أو وصفة نهائية يأسران المغامرة ويحدّان من حرية اللغة وسيرورتها المتدفقة كنهر في غابة.

لنقل، إذن، إن المغامرة الإبداعية من طبيعتها أن تأبى الانصياع لهذه الخطة، وبدلاً من ذلك تقترح على الطفولة أن تحتل مساحة أوسع من عمر الكائن.

***

هل يغير في وعينا شيئاً لو نحن عرفنا مثلاً أن يوجين يونسكو صاحب التجربة الطليعية في مسرح العبث، لديه قصص للأطفال هائلة في عبثيتها الطفولية؟ قصص غير تقليدية أبداً، قصص تليق بالأطفال، بأرواحهم الحرة واستعداداتهم الخلاقة للانفتاح على الطرائف واللطائف والجمالات المفاجئة التي يذخر بها الوجود، وتنعم بها النفوس غير المشوهة.

***

لطالما تخيلت أن ما يمكن أن يتلقاه الطفل من قصص نكتبها له نحن الكبار هو، بالضرورة، غير ما يمكن أن يتلقاه الكبار منها. هذا عن الرسائل التي يحملها النص، أما الحبكة والصياغة وغير ذلك من عناصر القص وفنونه فشرطها الأول هو الإمتاع. هل أنتظر من قارئ أن يوافقني على هذا؟ لكن ما المانع أن نتوصّل إلى خلاصة من هذا القبيل؟ لم لا يخلص قارئ إلى شيء، ويخلص آخر مع النص نفسه إلى شيء مختلف عنه، إلى هذه الدرجة أو تلك؟ أظن أن هذا، لو كان ممكنا حقاً في قصص ما، سيكون مثيراً للتفكير، فالأدب الكبير عادة ما يمنح نفسه مع كل قارئ بطريقة فريدة.

ما يؤسف له أن ثقافتنا العربية ليست فقط ثقافة استبداد، سياسي ولكنها ثقافة عمياء مجتمعياً، فهي لا تلحظ كيانات الأطفال، ولا تعتبر نفسها معنية بهم حقاً، ولو عنيت بهم فإنما على سبيل إخضاعهم لمشروعها التربوي ذي الطبيعة البطرياركية. ثمة باستمرار، إن في الاجتماع أو الكتابة، إملاءات، تلقين، إطلاق. وعلى الطفل، لو ظهر في الصورة، أن يخضع لكل لذلك كله

***

بداهة، نتوقع من كاتب الأطفال أن يعمل مع اللغة والمعاني بطرائق جد مبتكرة وإلا كيف يمكن لنصه أن يشع بقيم الحرية والعقل والشجاعة وحب الصداقة واحترام الطبيعة وحب الاكتشاف والعمل الجاد والشغف بالمعرفة والرأفة بالكائنات الصغيرة، والخيال الطليق. يفضّل ألاّ نخشى أبدا على الأطفال من ظهور هذه القيم في النصوص التي نكتب لهم. ولكن كيف يمكننا أن نفعل؟

***

لا مناص أمامنا من إعادة النظر بوعينا في الظواهر المختلفة المتعلقة بالأطفال وبالأدب الذي نكتب لهم. العالم يتغير والأطفال يتغيرون. درجة وعي الأطفال والفتيان بعالمهم وما يحيط به، وبأنفسهم وما تستشعره وتختبره صارت أكبر، لكن ثقافتنا لا تتزحزح عن أحكامها وقيمها ومسلّماتها التقليدية، نحو كل شيء، وكذلك نحو الأطفال وثقافتهم.

***

أنظر إلى الثقافة التي ينتجها العالم لأطفاله، ألق نظرة على ما ينتج في أوروبا للأطفال، شيء مذهل. انتهى عصر التلقين في أوروبا منذ القرن الـ19 ، وفي القرن الـ21 الأطفال يشاركون في صنع ثقافتهم، لكن هذا يحدث في ثقافة لا تخاف من أطفالها. ثقافة تأخذ على عاتقها الإنصات للأطفال، وليس نهرهم وقمعهم وإسكاتهم كلما حاولوا البوح بما عندهم. يجب على العرب أن يبادروا إلى تحرير أذهانهم من الخوف ليتمكّنوا من تحرير ذهنية الطفل من الخوف، وترك المجال له ليخرج من الصمت. على العرب أن يكفّوا العرب عن الترويج لثقافة السكوت.

لا بد من مواجهة حقيقة أن ثقافتنا، الموجهة إلى الأطفال، تقوم على المحافظة والخوف وعلى رغبة غريبة بإبعاد الطفل عن التجريب والاستنتاج من التجارب والخبرات الفعلية. وهذا يدفع إلى طرح السؤال مرارا: ما الذي يجعلنا جزعين من فكرة وصول الأطفال إلى معرفة الحقائق؟ بعضها على الأقل؟ لماذا نخاف على الأطفال من وعيهم بأنفسهم؟ لماذا نريدهم أن يكونوا أقل من إمكانات ملَّكتها لهم فطرتهم، وأخرى يمكن لهم أن يمتلكوها عن طريق التجربة؟ لماذا نخاف عليهم من طلاقة الخيال؟ لماذا نحرمهم من حرية التفكير؟ ومن حقوقهم في التعبير عمّا يجول في خواطرهم؟ لماذا نميل إلى الحجر على عقولهم وخبراتهم وأسر تجاربهم في كيان طفولي نريد له أن يكون قاصراً؟

ليس ثمة ما يمكن أن يحدّ من خيال الطفل أكثر من تربيتنا الركيكة الخائفة على الأطفال ومنهم، والتي تريد منهم أن يكونوا صورا منا ونسخاً عنا.

لوحة: نوار حيدر

العلة غالباً فينا نحن الكبار الذين ابتعدنا عن ملاعب طفولتنا وخبراتنا الطفولية وبتنا أساتذة ومعلمين وتربويين مملّين، ونماذج أبوية. إن لم نقل بتنا آباء قساة مفرطين في الخوف من حرية الوعي وطلاقة الخيال، مأسورين في قوالب اجتماعية صارمة جعلت من نفسها زنازين للأجنحة.

ما يؤسف له أن ثقافتنا العربية ليست فقط ثقافة استبداد، سياسي ولكنها ثقافة عمياء مجتمعياً، فهي لا تلحظ كيانات الأطفال، ولا تعتبر نفسها معنية بهم حقاً، ولو عُنيت بهم فإنما على سبيل إخضاعهم لمشروعها التربوي ذي الطبيعة البطرياركية. ثمة باستمرار، إن في الاجتماع أو الكتابة، إملاءات، تلقين، إطلاق. وعلى الطفل، لو ظهر في الصورة، أن يخضع لكل لذلك كله. ليس ثمة حوار، ليس ثمة إنصات، ليس ثمة تفهم لخصوصية عالم الطفل، أو احترام لأولوياته، وبالتالي ما من حضور مستقل له، ولا اعتراف بعالمه. فعالمه عالمنا نحن، ولكن في محل أدنى من ذواتنا وأدنى من ذاته. لذلك فإن الذين يكتبون له ويسمّون أنفسهم كتّاباً للأطفال عادة ما يكونون كتّاباً تساقطوا من دروب الكتابة للكبار، كتاباً فشلوا في إقناع الكبار بمواهبهم، فلجأوا إلى الكتابة للأطفال، أي سقطوا من عالم الكبار ووجدوا أنفسهم في أحضان الصغار. وها هم يكتبون لهم!

علينا أن نتخيل الآن أي كارثة هي هذه؟! وكم من الجرائم ارتكبت بحق الطفل في ثقافتنا العربية على أيدي أولئك الذين يسمّون أنفسهم كتاباً للأطفال؟!

***

نحن نعرف أن عددا من الشعراء والكتاب العرب المتمكنين كتبوا خلال مرحلة أواخر القرن الماضي للأطفال. ولكن هل كتب هؤلاء انطلاقا من شعور وتوجّه وتطلّع صادر عمن يكتب لنفسه عندما يكتب للطفل؟

أن نكتب للطفل إنما نحن نكتب لأنفسنا. التأمل في التجارب العالمية الجذابة في الكتابة للأطفال تمنح هذا الاستنتاج. لكن لا شيء من هذا في الثقافة العربية السائدة.

***

أخيراً، لعل أهمّ تجربة في التأسيس للكتابة للأطفال في الثقافة العربية، لم يجر تجاوزها إلى الآن من قبل الكتابة الشائعة، هي تجربة كامل الكيلاني الذي كتب في الأربعينات والخمسينات والستينات قصصا للأطفال استلهم فيها الأساطير الإغريقية والخرافات العربية القديمة والنثر الحكائي العربي الموجود في ألف ليلة خصوصاً، واستلهم القصص العالمية الشهيرة نفسها. وأظن أنه ترجم وكتب معا. النموذج الحكائي والسردي الكلاسيكي الذي قدمه الكيلاني، يجعلني أعتبره مؤسس السرد القصصي الشيق للأطفال في الثقافة العربية.

طبعا هناك من كتب بعده في مصر والعراق وسوريا ولبنان خصوصا. على أن الملاحظة الأساسية على جلّ ما كتب لاحقاً للأطفال أنه لم يجتذب ذائقة الأطفال، ولم يساير تطوّرهم الذهني، وبالتالي فهو لم يحضر كما يجب في نلك الذائقة ولم يسهم في التأسيس لتيار جديد في الكتابة للأطفال. فنحن نجد كتابا مفردين، لكن لا نجد تيارا للكتابة رغم كثرة المدّعين الذين يطبعون وينشرون للأطفال. واليوم هناك بالمقابل من يكتب بطلب من المطابع٬ ووزارة التربية والتعليم تشتري هذه الكتب بمناقصات٬ هذه جريمة كبرى يشترك فيها السوق التجاري مع وزارات التربية والتعليم العربية.

شاعر من سوريا مقيم في لندن

نوري الجراح

:: مقالات أخرى لـ نوري الجراح

نوري الجراح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر