الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

في تسفير التونسيين إلى 'بؤر التوتر' وملابسات البحث فيه

مهما يكن من أمر فإن التهديد يمكن أن يُعَدَّ اعترافا ضمنيا بما يريد الإسلاميون نفيه عنهم. وليس هو في الحقيقة أسلوبا غريبا عن خطابهم السياسي، وقد كان أخطره التهديد بالحرب الأهلية.

العرب د. إبراهيم بن مراد [نُشر في 2017/07/13، العدد: 10690، ص(9)]

ما زالت مسألة تسفير التونسيين إلى بؤر التوتر للقتال تثير الاهتمام كما يتبين من صحافة هذا الأسبوع. ولا نعرف لجنة من لجان مجلس النواب قد أثارت من الاختلاف مثل الذي أثارته “لجنة التحقيق حول شبكات التسفير”. فقد تكونت في مارس 2017 وبدأت عملها برئاسة النائبة ليلى الشتاوي التي لم تَرُقْ فيما يبدو لبعض أعضاء اللجنة فأقالها فريقها من رئاستها بتعلة أنها لم تبق عضوا في نداء تونس، وقد ذكرتْ قبل إقالتها من الرئاسة أن من الأطراف من يسعى إلى تعطيل عمل اللجنة وأنها قد تلقت ضغوطا سياسية للتأثير في عملها. وقد عُيّنَتْ رئيسة جديدة للجنة، لكنْ يمكن القول إن اللجنة لم تفعل شيئا بعدُ رغم مرور أربعة أشهر على تكوينها.

ويُفْهَم من السعي إلى تعطيل عمل اللجنة ومن الضغوط الممارسة على رئيستها السابقة سببُ بطء عملها. فإن هناك من الأطراف السياسية من لا يريد للجنة أن توجد أصلا، إما لأنها ستكشف حقائق لا يريد لها أن تُكشف، وإما لأنه لا يريد للتسفير أن يتوقف. وليس خفيا على أحد أن في اللجنة شقين شقا مؤيدا لعملها منتظرا لنتائجها وشقا قد اضطر إلى قبول اللجنة اضطرارا. وقد غلب على تدخلات هذا الشق الثاني في اجتماعات اللجنة التشنج لما يلقاه حزبه- حزب حركة النهضة- من اتهام واضح صريح بما كان له من دور أيديولوجي ومادي في تسفير الشباب التونسي إلى بؤر التوتر.

ولا نريد أن نتهم هذا الحزب اتهاما صريحا بما ينسب إليه، ولكننا نريد أن نقف عند بعض الأعمال التي حدثت أيام حكم الترويكا التي كانت النهضة تقودها. فإن من أهم الوسائل التي كانت وما زالت معتمدة في التغرير بالشباب التونسي لإقناعه بالسفر للقتال بدعوى “نصرة إخوانه المسلمين” ما كان يقاله له في المساجد أئمة نهضاويون يدعون “الوَسطية” في الإسلام لكنهم لا يرون مانعا من أن يقتل المسلم أخاه المسلم بتعلّة الفرق بين المسلم السني المؤمن بحق والمسلم الشيعي الكافر؛ ومن تلك الوسائل أيضا التسهيل الكبير الذي كان المرشحون للسفر يجدونه في الحصول على جوازات السفر من وزارة الداخلية التي كانت طيلة عهد الترويكا وبعده بقليل ذات نفس نهضاوي، أو من بعض السفارات التونسية ذات الهوى الإسلاميّ في بلدان عربية وأوروبية.

بل إن التسفير كان يتم في اتجاهين: إما عن طريق ليبيا نحو تركيا، وإما من تونس إلى تركيا مباشرة وفي تركيا يتوزّع المـسفرون. ويتهم في هذا السياق مدير شركة الطيران سيفاكس الذي كان ينظم رحلات من مطار صفاقس إلى مطار صبيحة بإسطنبول بلغ عددها بين يونيو 2012 وسبتمبر 2014 مئة وتسعا وأربعين رحلة. وقد اعترف بوجود هذه الرحلات لكنه نفى أن يكون على علم بهويات المسافرين أو بنواياهم.

وهذا الكلام يمكن أن يصدق بيسر لو لم يكن مدير الشركة نفسه نهضاويا مؤمنا بما يؤمن به قادتها، ثم إن التونسيين يعلمون ما غنمه من النهضة في تسهيل سفرات طائراته إلى تركيا وإلى غيرها من الاتجاهات، وخاصة بتزويد الشركة الوطنية لتوزيع البترول “عجيل” لرحلاته الجوية بما يلزمها من الوقود دون أن يدفع لها الثمن حتى تخلد بذمته دينٌ لها بتسعة عشر مليونا وسبعمئة ألف (19.7) دينار، ولا نظن أن هناك عاقلا يذهب به الظن إلى أن هذا “التساهل” قد حدث بمحض إرادة الشركة، ودون تدخل من السلطة السياسية الترويكية، من وزارة النقل بصفة خاصة.

واليوم وقد فشل “الإسلام الغاضب” في العراق وسوريا وهو في طريقه إلى الفشل في ليبيا فعلى الذين قوّوْا هذا الغضب بمشاركتهم المباشرة أو غير المباشرة أن ينتظروا المحاسبة. واللجنة البرلمانية التي تكونت من أجل التحقيق في شبكات التسفير تعتبر البداية لأن ما ستنتهي إليه من النتائج ينبغي أن يكون ممهدا لأعمال أخرى من أجل تحميل المسؤولية الجزائية لمن تسبب في إرسال التونسيين إلى “المحارق” وشوه صورة البلاد، إذ أصبحت تنعت بأنها المصدّرة الأولى للإرهاب في العالم، بل إن المرأة التونسية أصبحت موضوع تهكّم في العالم العربي لما ابتدعه لها المبتدعون من “جهاد بالفرْج” قد أدّى إلى ولادة لقطاءَ كثيرين عبّر أحد غلاة الإسلاميين ذات يوم من أيام الترويكا عن استعداده لتبنّيهم.

ولكنّنا نخشى ألا تستطيع هذه اللجنة الوصول إلى نتيجة وألا تقع أي محاسبة. أما اللجنة فلا نعتقد أنها ستستطيع فتح الملفات الخطيرة التي قد ينتج عنها تتبع جزائي. وقد صرّحت رئيستها الحالية حسب ما نقلته إحدى الصحف اليومية بأنها مستعدة “لفضح أي محاولة ابتزاز أو ضغط سياسي على لجنتها مهما كان مصدره”. وهذا التصريح دال إما على وجود الابتزاز والضغط السياسي على اللجنة بالفعل، وإما على الخشية من وقوعهما.

أما الضغط فواقع بالفعل وقد أكدته رئيسة اللجنة السابقة؛ وأما الابتزاز فله وجوه عديدة منها وجه قد بدأ يظهر في تهديد الخصوم بكشف ملفاتهم أيضا. وقد صدر ذلك تصريحا على لسان رئيس كتلة حركة النهضة في مجلس النواب، فقد حضر في بداية هذا الأسبوع اجتماع لجنة التحقيق وكان مما قاله أمامها “على الجميع أن يدركوا أننا كنا في الدولة ونحن نعرف من كانت له علاقات بالمخابرات السورية والإيرانية والتركية، وعندما سيأتي الوقت المناسب الذي يجب أن نتحدث فيه سنتحدث. فلا تدفعونا إذن لكي نتحدث عما نعرفه في غير إطاره”. وليس هناك أبلغ من هذا التهديد الصريح بكشف الملفات الخفية لمن يجرؤ على كشف دور الإسلام السياسي في تسفير التونسيين إلى بؤر التوتر.

وقد يعني وجود الملفات المشار إليها لدى الجماعة وجود ملفات أخرى قد جمعتْها يوم كانت في الدولة لتستعملها عند الحاجة ضد الخصوم.

على أن في التهديد تعميما غريبا للجنة كلها، ونعلم أنها متكونة من أعضاء ينتمون إلى سبعة أحزاب تتصدرها النهضة ونداء تونس؛ فهل هم مطالبون جميعا بالسكوت عما ستنتهي إليه أعمال اللجنة من النتائج التي قد تكون مُدِينَة للنهضة؟ ومهما يكن من أمر فإن التهديد يمكن أن يُعَدَّ اعترافا ضمنيا بما يريد الإسلاميون نفيه عنهم. وليس هو في الحقيقة أسلوبا غريبا عن خطابهم السياسي، وقد كان أخطره التهديد بالحرب الأهلية إن لم تتواصل سياسة “التوافق” التي تسمح لهم بأن يكون لهم حضور ومشاركة في الحكم. وكلها ظواهر تدل على أن القول بالانتقال من الإسلام السياسي إلى الإسلام الديمقراطي هو مجرد تلميع ظرفي لصورة الحزب السياسية لدى الأجانب، سرعان ما يمحوه في تونس ما يصدر عن الجماعة من ردود الفعل العنيفة على ما يوجّه إليها من النقد وخاصة على ماضيها في السلطة، وقد كان من نتائجه المباشرة ظهور شبكات تسفير الشباب التونسي ذكورا وإناثا إلى ميادين القتال لنصرة “الإسلام الغاضب”.

وأما المحاسبة فإن التونسيين ينتظرونها منذ سنة 2014، ولم تقع ولا نظن أنها ستقع نتيجة سياسة التوافق أولا ثم نتيجة “الملفات” التي تهدد بها الجماعة خصومَها. وإذا كانت الجماعة تريد أن تندمج في المجتمع التونسي حقا وأن تُقبل مثلما يُقْبل أي حزب مدني، فعليها أن تقبل أنها غير معصومة من الخطإ وأن مرورها بالسلطة في عهد الترويكا قد رافقته أخطاء كثيرة ما زالت البلاد تعاني من تبعاتها، وأن نقد التونسيين لها ليس دالاّ على إنكارهم لحقها في الوجود السياسي بل هو دال على رفضهم لبرنامجها الماضوي الذي تريد أن تُرْجِعَ به البلاد والعباد إلى القرون البالية الخوالي. فإن تاريخ الشعوب الراقية المتحضرة يسير إلى الأمام ولا يرجع إلى الوراء.

كاتب وجامعي تونسي

د. إبراهيم بن مراد

:: مقالات أخرى لـ د. إبراهيم بن مراد

د. إبراهيم بن مراد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر