الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

البركان

الانهيار الأمني الممتد من 2003 لحد اليوم لم يخمد، ولن يخمد دون إبطال مفاعيله الأساسية التي ما زالت متوقدة.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2013/08/12، العدد: 9287، ص(9)]

الحريق الذي يعم العراق اليوم ليس حدثاً عرضياً ناتجاً عن فتيل عبثي عرضي يمكن إخماده، بل هو بركان شامل تفجّر بعوامل عدة أوجدها الاحتلال العسكري الأميركي عندما حوّل العراق إلى فرن دائم، سَلّمَ فتائل تشغيله المتواصل لأخطر الأدوات التي لم تشهدها البشرية الا نادراً، وهي المليشيات الطائفية المسلّحة داخل العراق، تساعدها جماعات تنظيم القاعدة الإرهابي التي استوطنت العراق بعد احتلاله مباشرة، مثلما تستوطن الآن في سوريا بعد إشتعالها.

ومثلما تفعله عصابات اللصوص في إشعال الحرائق لكي يتصاعد الدخان ويحجب المرأى وتمّرر عمليات النهب من دون رقيب، هكذا تم إشعال البلد لكي يُسرق يومياً وبأغطية من مجموعة السياسيين وأنصافهم الذين تسيّدوا المشهد العراقي، كواجهة للتمويه والمشاغلة تخفي أقذر عمليات مافيات النهب المحلية والإقليمية والدولية، وفي مقدمتهم السراق الأميركان الذين دخلوا البيت العراقي واستباحوه، وعلمّوا الصغار المحليين أساليب النهب الحديثة، والقسم القليل من هؤلاء الموظفين الأميركان يتحولون في بلدهم ووفق قوانينهم كبش فداء في إبعاد الحساب عن الرؤوس الكبيرة، مع أن قتلة العراقيين من أفراد الجيش الأميركي لم تتم محاسبتهم بعدالة منصفة وأُعفي عنهم.

ومهما يقال عن استبداد ودكتاتورية وفردية العهد السابق، واضطهاده للمعارضين السياسيين خصوصاً المرتبطين بمشروع التوسع الإيراني الذي قاده الخميني بعد عام 1978 لكن البلد كان يتمتع بالأمن العام على مستوى محيطيه الداخلي والخارجي.

ولم يعرف العراق المفخخات والتفجيرات والقتل والاغتيال في الشوارع والبيوت ما عدا حوادث التفجيرات المعدودة للمؤسسات العراقية الاستراتيجية خلال الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988 (كتفجيرات الإذاعة والتلفزيون ومقر القيادة الجوية بواسطة انتحاريين، ووكالة الأنباء العراقية في بغداد عام 1983 ومقر السفارة العراقية في بيروت. والتي كانت جزءاً من مخطط مدعوم من طهران لإسقاط النظام آنذاك).

وكان البلد نظيفاً من تنظيم القاعدة وحاولت إدارتا بوش الأب والابن ترتيب حالة علاقة مفبركة بين القاعدة والنظام السابق لتبييض جريمة احتلال العراق لكنها عجزت.

بركان الانهيار الأمني الممتد لعشر سنوات من التاسع من أبريل 2003 ولحد اليوم لم يخمد، ولن يخمد دون إبطال مفاعيله الأساسية التي ما زالت متوقدة بواسطة العملية السياسية في جزئيها الحاكم والمشارك في بغداد، قد يخمد اللهيب لأشهر وتتراجع ألسنته عن التهام أجساد الأبرياء، لكن سرعان ما تعود موجته المجنونة إلى حصد الألوف من الأبرياء لدرجة تحقيق حالة التدجين الشعبي والمعايشة مع الموت اليومي في الشارع والسوق والمقهى، محاولين إيصال المواطن إلى حالة المحكوم بالإعدام داخل زنزانة الموت الذي تفتح له الأبواب داخل ساحات السجن الجماعية، ويشعر أن أبواب الحرية قد انفتحت أمامه.

وكجزء من عملية التدجين الوحشية هذه المنفذة حيث تستهدف إبعاد الجمهور العراقي ونخبه النظيفة عن اكتشاف الترابط العضوي بين الموقدات السياسية ولهيب الحريق، من خلال تمويه الوقائع بأزمات فرعية مفتعلة تتعلق بالعملية السياسية (الشراكة، إشكالات العلاقة بين ثلاثي الأضلاع السنية والشيعية والكردية، الترويج لخلافات شكلية وثانوية داخل كل ضلع على حدة) والاستمرار في إغراق الناس بهذه الفقاعات المحلاة بشعارات (الديمقراطية الناشئة) ويحصل أن يقع السياسيون في أزمات اعتراضية توصلهم إلى حافة الهاوية لكنهم سرعان ما يتراجعون ململمين مشاكلهم الفرعية لكي تظّل نار الموت حية متواصلة.

مهاراة السياسيين وأنصافهم هي في قدرتهم على المشاغلة والتمويه والمخادعة، كأن يقال إن العراق اليوم هو أفضل حالاً مما تعيشه المنطقة من عاصفة البركان الكبير، إلا أن هناك لحظات تنكشف خلالها الخدعة، مثلاً كأن تصبح معدلات القتل في العراق أعلى مما عليه في سوريا المحترقة. محاولات التعتيم لم تعد ناجحة في عالم التواصل الاجتماعي الذي أصبح لرواده الثائرين قدرة تغيير الأنظمة السياسية. كما إن التعكز على خطاب سياسي تبريري محاط بحزام من إجراءات أمنية وفق عمليات تدوير ملء المعتقلات بالأبرياء، تحت المادة (أربعة إرهاب) لم تعد مقنعة للناس.

والأخطر من ذلك كله هو إن الواجهة السياسية المحلية لا تتحرك لوحدها في هذه اللعبة، بل هي جزء من لعبة أوسع وأكبر في المنطقة تعتمد على إثارة نزعات التقسيم والتشظي الطائفي والعرقي، وتمويلها بالمال والسلاح والدعم المعنوي لحكام ولزعامات سياسية مرشحة لإدارة هذا الدور الخطير، وبعضها لبس الدور ويمارسه مثلما حصل ويحصل في بلدان ثالوث النهضة العربية أواسط القرن الماضي (العراق- سوريا- مصر)، لكي تتماثل مع إسرائيل في هوية الحكم العنصري والطائفي، أبطالها لاعبون كبار في توقيت سيء لتحريك ماكنة الحروب المحلية ذات المنحى الطائفي بصورة معاكسة لرغبات شعوب المنطقة.

فبعض القوى الكبرى لم تكن تتوقع أنها تواجه انهيار إمبراطورية الاستفراد العالمي أميركا بهذه السرعة الزمنية وعلى يد (الرئيس أوباما) الذي يحاول تنفيذ نظرية «التجاهل الاستراتيجي للعراق بعد الرحيل الإجباري عنه عام 2011 ووفق ترتيبات الاستراتيجية الأميركية الجديدة في المنطقة» التي وصفها خبراء السياسة الأميركان أنفسهم بأنها «سياسة التجاهل الصحي» في إدارة ظهر أميركا للعراق، وهي بمثابة الكارثة التي تحل بمهابة الدولة الكبرى، وإن إنزلاق العراق إلى الحرب الأهلية سيهدد أمن المنطقة، والمصالح القومية الأميريكية.

ويرى هؤلاء إن العراق في حالة اختلال وظيفي سياسي وتحديات أمنية وصلت إلى حافة الهاوية.

وهي تساعد روسيا التي لم تشفَ بعد من مداواة جرحها في تفكيك جسمها الكبير، لتجد نفسها في قلب معادلة المصالح الدولية وفي حقل النار الذي أشعلوه في سوريا وعلى أشلاء عشرات الألوف من الضحايا البشرية والتدمير الشامل.

وليستفيق الدب الكهل من جديد ويكتشف أن له مكاناً شاغراً في الملعب عليه ملؤه، يطلب ما يريد بلا رفض أو ممانعة ويتجاوز حدوده المرسومة التي صنعتها عملية التفكيك قبل عقدين، لتتكشف الحالة الرخوة والهزيلة لمهابة الإمبراطورية الأميركية على وقع الصراع المسلح داخل سوريا الذي حوّلوه إلى صراع إقليمي.

إلى جانب قوة إيران «المصطنعة» التي مُررّت على الأميركان أيضاً بسبب الحالة العراقية بعد عام 2003، ليشكل نفوذ «ولاء المذهب» الذي تديره إيران في بلد مهم استراتيجياً مثل العراق قوة حيوية لها هزّت المنطقة، لم تكن تحلم بها بعد انكسارها العسكري عام 1988 أمام العراق.

منافع انفجار هذا البركان المخيف داخل العراق ليس لمصلحة مافيات الفساد المحلية، أو لأمراء الحروب الداخلية في سوريا أو المغرب العربي فحسب، بل هناك تسويات تفرضها المكانة الجديدة لروسيا بعد أحداث سوريا أواخر 2011، وموسكو لن تقبل بغلق ملف صراعات وحروب الطوائف داخل قلب المنطقة (سوريا والعراق ولبنان) قبل أن تضمن حصتها حتى وإن استمر حمام الدم في سوريا أو الانهيار الأمني في العراق لعشرات السنين.

مركز بركان النار يخرج من العراق ويتفاعل مع سوريا بعمليات معقدة تحميها الواجهات السياسية الحكومية في كل من دمشق وبغداد، وقودها الأبرياء لحين إنضاج مائدة التسويات ومن سيجلس على المقاعد الرئيسية والثانوية (موسكو- واشنطن- طهران- أنقرة- وتل أبيب تنوب عنها واشنطن) عندها يمكن إخماد الحرائق، وقد ينحسر البركان الذي سيحتاج إلى وقت أكثر.

ومع ذلك يبقى عنصر وعي الشعوب وثورات شبابها غير التقليدية قادرة على تبديل جميع المعادلات فهل سيخضع شعب العراق لهذا القانون الحيوي؟

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

العالم الآن

:: اختيارات المحرر