الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

حركة النهضة ودخول الحداثة من بابها الضيق

لقد أراد الإسلام السياسي أن يقنع التونسيين بأنه انتقل من الديني الدعوي إلى السياسي المدني ومن الماضوية المذهبية إلى الحداثة الفكرية.

العرب د. إبراهيم بن مراد [نُشر في 2017/08/03، العدد: 10711، ص(9)]

كثيرةٌ هي المظاهر الدالة هذه الأيام على أن النهضويين يريدون أن يبينوا للناس أنهم بدؤوا يخرجون من جلدهم الذي عرفوا به منذ ظهور الاتجاه الإسلامي. ونذكر من هذه المظاهر أربعة: الأول هو توجيههم إرساليات إلى تلاميذ الباكالوريا على هواتفهم الجوالة لتشجيعهم على اجتياز الامتحان. والثاني هو تنظيمهم احتفالات بيوم العلم في الجهات وتقديمهم جوائز للتلاميذ والطلبة المتفوقين، رغبة في استمالتهم إلى صفوفهم وإظهارهم تفتحهم على الحداثة العلمية والثقافية. والثالث- وهو الأهم- هو انفتاحهم على “المستقلين”- ولا يهم أن يكونوا حداثيين أو ماضويّين- ليؤلفوا منهم قائماتهم للانتخابات البلدية القادمة بنسبة خمسين بالمئة، وقد وصل بهم الحماسُ لهذا “الانفتاح” إلى أن استعملوا من الوسائل ما ليس قانونيا، مثل الإشهار على الطرقات بدون ترخيص بلدي بذلك فيما يبدو، وتوجيه الرسائل الإلكترونية إلى طلبة الجامعات وإلى من يتوقعون منه الاستجابة ممن يعتبرونهم مستقلين في مختلف مناطق البلاد لحثهم جميعا على الترشح للانتخابات البلدية ضمن القائمات التي تحمل اسم النهضة، وذلك بعد أن حصلوا على عناوينهم- مثلما حصلوا من قبل على أرقام هواتف التلاميذ- بتواطؤ مع إحدى “الجهات الرسمية المشرفة على قطاع الاتصالات في تونس” حسب جريدة الشروق ليوم 31 يوليو، وفي تصرف النهضة وتصرف الجهة التي وفرت لها أرقام الهواتف والجهة التي وفرت لها العناوين الإلكترونية خرق صريح للفصل 24 من دستور يناير 2014 وللفصل 14 من الأمر الترتيبي عدد 4773 لسنة 2014 الخاص بإسناد رخص التزويد بخدمات الإنترنت، وقد شدّدا على وجوب حماية المعطيات الشخصية ومنها المراسلات والاتصالات والمعطيات المتعلقة بالمشتركين في الإنترنت؛ وهذا الذي حدث دليل على أن عصر الانفلات الذي ابتدأ مع حكم الترويكا ومارسته النهضة نفسها لم ينته بعد.

وما تبتغيه النهضة من التلاميذ والطلبة الذين تتقرب منهم، ثم من المواطنين “المستقلين” الذين تريد استمالتهم ليترشحوا في قائماتها الانتخابية واضح: فالتلاميذ والطلبة هم من “الشباب” الذين تعمل على كسب ودهم ليكونوا من أتباعها في المستقبل، وأما المرشحون للانتخابات باسمها فإنهم إذا كُتب لهم الفوز سيصبحون من أتباعها بدون نقاش، لأنهم سيطبقون في جهاتهم برامجها ويسيرون حسب ما يمليه نظامها الأساسي ونظامها الداخلي من الواجبات على المنتسبين إليها ويعملون بما يصدر عن مجلسها التنفيذي ومجلس شوراها من القرارات، وسيفقدون بذلك هوياتهم المستقلة ويكتسبون هويات جديدة إذ سيصبحون نهضويين خلصا مندمجين في الحزب، والمهم في ذلك كله هو أن تتوسّع قاعدة الحزب الانتخابية وأن تباهي النهضةُ بهذه الانتماءات الجديدة “المدنية” غير الدينية، أي التي لم تمر بما مر به الأتباع الأصليون من غسيل للدماغ ومن غرس لفروض الطاعة حسب طقوس معينة وثقافة إخوانية خاصة، ولا شك أن هؤلاء الأتباع الجدد المستقلين إذا نجحوا في الانتخابات سينجحونَ في جر أتباع آخرين وراءهم في سبيل تحقيق المصالح، خاصة وأن ما يُنْتَظر من هذا النظام الجديد الذي سيتولاّه حسب عبارة راشد الغنوشي “سبعة آلاف حاكم” في الجهات هو أن يغذي المحسوبيّة والعروشيّة والنعرات الجهوية التي كانت دولة الاستقلال قد خلّصت البلاد منها باسم “الوحدة الوطنية”، لكن “الثورة المجيدة” قد شرعت منذ فترة الترويكا في إعادتها بتفكيك ما تبقى من هذه الوحدة. وإذ إن حزب النهضة يدعي أنه قد فصل السياسي عن الدعوي وترك الدعوي للجمعيات الخيرية الكثيرة التي كانت وما زالت تتبعه فمن المتوقع أن يكون الدعوي في خدمة السياسي وأن يُغْدَقَ المال الوفير على بسطاء الناس وسُذَّجِهم لتزدادَ دائرة الأنصار والأتباع اتساعًا، ويكون التمكين الذي ما انفك النهضويون يحلمون به.

وأما المظهر الرابع فهو ما اصْطُلِح عليه منذ بداية هذا الأسبوع بـ“اللوك الجديد” لراشد الغنوشي إذ ظهر في لباس أوروبي “حداثي” ببدلة وربطة عنق. وليس هذا المظهر عفويا مندرجا في تطور سلوكي وفكري للشخص، بل هو ناتج عن تدخل “جهاز مدبر” كامل تعتمده النهضة لتسويق صورة جديدة لها ولرئيسها، فهي قد انتدبت- كما ذكرت جريدة المغرب- فريقا من “الخبراء” مكلفا بالغنوشي دون سواه، مكونا “من أخصائي في الصورة ومستشار إعلامي وخبير في الاتصال السياسي وغيرهم من المساهمين الجدد في نحت صورة الغنوشي”.

وقد بدأ التسويق لهذه الصورة الجديدة بظهور صاحبها على قناة نسمة مساء الثلاثاء 1 أغسطس بلباسه الجديد ولكن بمنطقه القديم.

فقد كان المتابعون ينتظرون من رئيس الحركة خطابا جديدا بمنطق حداثي جديد يعلن فيه رغبة حزبه في تغيير مرجعياته الدينية الإخوانية وتعديل نظامه الأساسي بتخليصه من جملة من المفاهيم الدينية الخالصة مثل “تجذير الهوية العربية الإسلامية” و“اعتماد الوسائل الشرعية” لتحقيق أهدافه. فإن المجتمع “المدني” الذي يدافع عنه الحداثيون مجتمع منفتح للمواطنين جميعا مسلمين كانوا أو غير مسلمين ولا فضل لمواطن على آخر إلا بالولاء للوطن والعمل الصالح له في ظل قوانين وضعية لم يُعْتَمَدْ في وضعها “الشرع” أو “الشريعة” بل اعتمدت مصالح البلاد والعباد في الدنيا، كما كانوا ينتظرون موقفا نقديا- ولو نقدا خفيفا- لما صدر عن الترويكا التي كانت تقودها النهضة من أخطاء فادحة في السياسة والاقتصاد والأمن خاصة. ولكن شيئا من ذلك لم يقع فكان الخطاب تقليديا وكان الانزعاج الذي فضحته ملامح الوجه شديدا عندما سأل الصحافي رئيس الحركة عن مسؤولية الترويكا وخاصة النهضة عن الحالة السيئة التي وصلت إليها البلاد.

بل إن الخطاب قد حمل إلى المتابعين جملة من الأفكار الدالة على أن التغير هو تغير في الصورة والمظهر وليس تغيرا في المضمون والمحتوى. ونذكر من تلك الأفكار اثنتين: الأولى هي الموقف المتشكك في جدوى الحرب على الفساد التي يقوم بها رئيس الحكومة يوسف الشاهد. فإن رئيس الحركة مُقر بأن الفساد قد عم البلاد لكنه يستنجد بحقوق الإنسان وبالقضاء للحد من محاسبة الفاسدين. وقوله مقبول في ظاهره لكنه في باطنه يوحي بأنه دفاع عن أصحاب ملفات الفساد من حزبه مثل ملف الهبة الصينية وملف شركة الطيران سيفاكس، أو ملفات الشركاء في الحكم أيام الترويكا مثل ملف الهبة المعطاة إلى إمام جامع اللخمي بصفاقس أو ملف البنك الفرنسي التونسي. وقد كان منتظرا من رئيس حزب يريد أن يصبح حداثيا ديمقراطيا أن يؤيد الحرب على الفساد دون شروط وأن يندد بالفاسدين ولو كانوا من حزبه.

والفكرة الثانية- وهي خطيرة- هي تدخل رئيس الحركة السافر في حق رئيس الحكومة الدستوري في الترشح للانتخابات الرئاسية سنة 2019، فهو يربط تأييد حزبه للشاهد في ما يقوم به ضد الفساد بأن يتعهد بعدم ترشحه سنة 2019، وهذا في الحقيقة ابتزاز سياسي فاسد لا يشجع على محاربة الفساد، بل يدعم الفساد والفاسدين. وقد استنجد رئيس الحركة بمثال الباجي قائد السبسي سنة 2011 والمهدي جمعة سنة 2014، والتشبيه هنا غير جائز لأن قائد السبسي قد أخذ على نفسه وعلى وزرائه باختيارٍ منه ومنهم عهدا بألا يترشحوا لانتخابات سنة 2011، أما جمعة فقد اشترط عليه المشاركون في الحوار الوطني سنة 2014 عند تعيينه رئيسا لحكومة التكنوقراط أن يلتزم بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية. فهل يجوز أن يقول الناس اليوم إن يوسف الشاهد قد فرض عليه راشد الغنوشي وحزب النهضة أن يتخلى عن حقه الدستوري في الترشح للانتخابات الرئاسية سنة 2019؟ وهل مثل هذا الفرض اللادستوري دال على التحول الديمقراطي المدني في سلوك الإسلاميين الديمقراطيين؟ ليس في ذلك أي دلالة على الديمقراطية، بل إن فيه دلالة واضحة على إبعاد قسري عن الانتخابات لمنافس فيها ذي حظوظ كبيرة في الفوز بها. وفي ذلك دلالة أيضا على أن الغاية المرجوة من كل هذه التغييرات الشكلية هي التهيؤ لانتخابات سنة 2019، والعمل على الفوز بها.

لقد أراد الإسلام السياسي أن يقنع التونسيين بأنه انتقل من الديني الدعوي إلى السياسي المدني ومن الماضوية المذهبية إلى الحداثة الفكرية، وقد أراد رئيس الجماعة أن يقنع الناس بهذا الانتقال بتغيير مظهره فأنقص من اللحية ولبس بدلة زرقاء وربطة عنق. ونعتقد أن النتيجة التي خرج بها جل الذين تابعوا اللقاء التلفزي تتلخص في مثل شعبي تونسي، هو “من برة ذهب ومن داخل خشب”.

كاتب وجامعي تونسي

د. إبراهيم بن مراد

:: مقالات أخرى لـ د. إبراهيم بن مراد

د. إبراهيم بن مراد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر